رسالة الحكمة

العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى و لم يؤمن بها.

باروخ سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة(ج01)

 



ولد  باروخ سبينوزا "Baruch Spinoza" في أمستردام بهولندا سنة  1632م، ينتمي إلى اليهود السفرديم  "séfarade" والتي تعود أصولهم ليهود إيبيريا -وهي إسبانيا والبرتغال- والتي طردوا منها في القرن الخامس عشر. احتلّ سبينوزا مكانة مهمّة في تاريخ الفسلفة والفكر، كما يعدّ من أبرز الشخصيات العلمية المرموقة داخل تيار الفلسفة الحديثة  الذي نشأ في أوروبا في القرن السابع عشر وتواصل إلى حدود القرن العشرين.

لم تكن حياة سبينوزا خالية من المتاعب، خصوصا تلك المتعلقة بحرية الفكر والتفكير، حيث تجدر الإشارة إلى أنّ عائلته تنتمي إلى اليهود المارانوس ' Les marranes' وهم اليهود الذين  فرّوا من محاكم التفتيش التابعة للديوان المقدس بشبه الجزيرة الإيبيرية والذين تحوّلوا إلى المسيحية طوعا أو كرها حتى سمّوا بالمسيحيين الجدد.

تواصلت محنة سبينوزا بعد فصله عن طائفتهم وحرمانه من حقوقه ما جعله يتخلى عن تركة أبيه تلقائيا، حتى حكم عليه في 27 جويلية 1656م بحظر الإقامة تحت طائلة الحرمان الكنسي أو ما يسمى بالانجليزية بExcommunication"

سبينوزا ورسالته في اللاهوت والسياسة

استقرّ سبينوزا عام 1660م بقرية رينسبرغ، حيث شرع في تأليف كتابه "رسالة في إصلاح العقل" إلا أنه توقف عن كتابتها وانتقل إلى فوربرغ سنة 1663م أين أصدر كتابه "مبادئ فلسفة ديكارت". يعدّ هذا الكتاب من أهم الكتب التي تستعرض فكر الفيلسوف ديكارت ، فقد توخّى سبينوزا الدقة في استعراض أفكار الفيلسوف الفرنسي بأسلوب يعتمد على البراهين والقضايا والحدود، وقد أسهم هذا الكتاب في ولادة فكر جديد تجاوز فيه سبينوزا كونه شارحا للفكر الديكارتي إلى فيسلوف له أطروحاته وأثره على الحركة الفلسفية في أوروبا

كان اهتمام سبينوزا بقضايا الساعة ما جعله ينشغل عن إتمام " رسالة في إصلاح العقل" و يعطل إنجاز كتابه "علم الأخلاق" لينكبّ على تأليف "رسالة في اللاهوت والسياسة" سنة  1670م، ثمّ يعود سنة 1675م لطباعة كتابه "علم الأخلاق" بعد خمس عشرة سنة قضاها في تأليفه.

احتوت رسالته في اللاهوت والسياسة على عديد الفصول فاهتم سبينوزا بقضية النبوة والأنبياء متسائلا عن رسالة العبرانيين وهل كانت النبوة وقفا عليهم؟ لينتهي بقوله " أما بالنسبة إلى الذهن وإلى الفضيلة الحقة فلم تخلق أمة متميزة عن الأخرى في هذا الصدد’، وعلى ذلك فلم يختر الله أمة بعينها مفضلا إياها في هذه الناحية على الأمم الأخرى"(رسالة في اللاهوت والسياسة، ص195)

كما عقد سبينوزا فصلا عن القانون الإلهي مستخلصا أنه الذي يعطي الناس السعادة الحقة ويعلمهم الحياة الحقيقية كما أنه مشترك بين الناس جميعا مستدلا على ذلك بقوله "بحيث يجب علينا أن نعتبره فطريا في النفس الإنسانية وكأنه مسطور  فيها"(رسالة في اللاهوت والسياسة، ص211)

غير أنه يبحث عن السبب في وضع الشعائر والإيمان بالقصص فيفرد لها فصلا خاصة، فإن كان القانون الإلهي فطريا في الإنسان فإن الطقوس الدينية وضعت على العكس من ذلك، فشعائر العهد القديم يرى أنها وضعت "للعبرانيين وحدهم" (رسالة في اللاهوت والسياسة، ص211)

وفي حديثه عن المعجزات توخى سبينوزا مقاربة فلسفية تجاوز فيها عمله كمؤرخ على حد قوله في الفصل الذي اعتنى به بقضية النبوة، وتناول الطريقة التي ينبغي بها تفسير المعجزات وما يجب ملاحظته أساسا على الروايات الخاصة بها. فقد بيّن أنه في الكتاب المقدس معجزات لم تحدث بالفعل وإنما هي أساليب تعبيرىية كانت شائعة لدى العبرانيين، فهي على حدّ قوله "علامات تدل على الخشوع، لذلك نجد في الكتب استعمال بارك الله بمعنى لعن"(رسالة في اللاهوت والسياسة، ص244) لذا فهي ليست مجرد محسنات بديعية فقط.

وفي الفصل السابع الذي تحدّث فيه عن "تفسير الكتاب" ينتقد سبينوزا فعل اللاهوتيين وجرأتهم في تناول الكتاب المقدس واحتكارهم المعرفة دينية أو فهم النصوص المقدسة. "وإننا نرى معظم اللاهوتيين وقد انشغلوا بالبحث عن وسيلة لاستخلاص بدعهم الخاصة وأحكامهم التعسفية من الكتب المقدسة بتأويلها قسرا، وبتبرير هذه البدع والأحكام بالسلطة الإلهية"(رسالة في اللاهوت والسياسة، ص248)

ويضع سبينوزا قاعدة عامة لتفسير الكتاب المقدس وهي أن "لا ننسب إليه أيّة تعاليم سوى تلك التي يثبت الفحص التاريخي بوضوح تام أنه قال بها"(رسالة في اللاهوت والسياسة، ص252)

ومن هذا المنطلق  يجب أن يفهم من خلال طبيعة اللغة التي كتب بها وخصائصها حتى يمكننا فحص كل المعاني التي يمكن أن يفيدها النصّ. ثمّ يجب تجميع الآيات وتصنيفها في كل سفر تحت موضوعات أساسية عددها محدود.كما يرى سبينوزا أيضا أنه "يجب أن يربط هذا الفحص التاريخي كتب الأنبياء بجميع الملابسات الخاصة التي حفظتها لنا الذاكرة" "(رسالة في اللاهوت والسياسة، ص254) حتى نستطيع أن تميّز بين التعاليم الأزلية من التعاليم الأخرى التي لا تصلح لكل زمان ومكان. فدراسة فكر الأنبياء والروح القدس لا بد أن تمرّ بمرحلة دراسة الكتاب المقدس في ضوء الفحص التاريخي والنقد الداخلي للنص.

بيّن سبينوزا الأسس والمبادئ التي تقوم عليها معرفة الكتب المقدّسة، مبيّنا في الآن ذاته أنها معرفة تاريخية ونقدية للكتاب المقدس وأن القدماء "أهملوا هذه المعرفة بالرغم من ضرورتها" على حد قوله، ليتّجه في ما بعد إلى البرهنة على أن الأسفار الخمسة وأسفار يشوع و القضاة وراعوث وصموئيل والملوك ليست صحيحة، ليعقد لها فصلا خاصا. وانطلق سبينوزا في البداية بالمحافظة على الأحكام المسبقة التي تقول مثلا بأن موسىى هو من قام بتدوين الأسفار الخمسة ثمّ حاول إثبات أن موصى ليس هو مؤلف هذه الأسفار "بل أن مؤلفها شخص آخر عاش بعده بزمن طويل" مستدلا على ذلك بأن موسى لم يكتب مقدمة التثنية لأنه لم يعبر نهر الأردن، وأن سفر موسى نقش كله بوضوح  تام على حافة مذبح واحد يتكون من اثنتي عشر حجرة بحسب عدد الأحبار، فالنتيجة التي توصل إليها "أنّ سفر موسى كان في حجمه أقلّ بكثير من الأسفار الخمسة"  

ولم تخلو الأسفار الأخرى من نقد سبينوزا وفحصه للحوادث التي تضمنتها مؤكدا أنها تمت كتابتها من طرف مؤلفين آخرين غير من تحمل أسماءهم

لينتهي إلى أنّ عزرا هو المؤلف الحقيقي الذي كتب الأسفار الستة وهي أسفار موسى الخمسة وسفر يشوع إضافة إلى بقية الأسفار الأخرى القضاة و صموئيل والملوك.

(يتبع)


شاركه على جوجل بلس

عن منتصر بوعجيلة

باحث في الدراسات الدينية المقارنة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire