رسالة الحكمة

العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى و لم يؤمن بها.

يوم استشهاده: هذه لمحة من سيرة الخلفية عثمان بن عفان


 

في 17 جويلية 656م الموافق ل12 من شهر ذي الحجة من سنة 35 هـ شهدت الأمة الإسلامية أكثر الأحداث المؤثرة في تاريخها، وأقوى الأسباب المؤدية إلى الفتنة الكبرى، وهو يوم استشهاد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أحد أصحاب النبي محمد عليه الصلاة والسلام وثالث الخلفاء الراشدين.

ويعدّ عثمان رضي الله عنه من أبرز الرجال نسبا و علما وحكمة في الجاهلية، فهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وهو من بطن بني أمية أكابر قريش وساداتها وأبوه عفان بن عم أبي سفيان بن حرب والد معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية.

عثمان بن عفان ذو النورين وكاتب الوحي

تتحدث كتب السير والأعلام عن إسلام عثمان بن عفان، وتذهب الأخبار إلى أن اتباعه دين محمد صلى الله عليه وسلم وهو في عمر الرابعة والثلاثين، حين دعاه أبوبكر الصديق إلى الإسلام، فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية قولة أبي بكر: "ويحك يا عثمان فإنك رجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل هذه الأوثان التي يعبدها قومك أليست حجارة صماء لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولاتنفع، فقال بلى والله إنها كذلك. قال أبو بكر: هذا محمد بن عبد الله قد بعثه الله برسالته إلى جميع خلقه، فهل لك أن تأتيه وتسمع منه؟ فقال نعم".

ويظهر من خلال تعامل عثمان رجاحة عقله وتوازنه الذهني وحكمته الكبيرة، كما تعتبر هذه الحادثة أرقى الطرق التي يمكن استعمالها في إقناع الآخر، فأبو بكر الصديق رضي الله عنه استطاع إقناع عثمان بأن بيّن له أن عبادة الأصنام والأوثان لا تتماشى ورفعة المنطق والعقل التي يتّسسم بها عثمان، المعروف منذ الجاهلية بعلمه ومعرفته وقدرته على اتخاذ االرأي السليم والموقف الحليم. 

وقوله "هذه الأوثان التي يعبدها قومك"، دليل على أن عثمان لم يعبد تلك الأصنام في الجاهلية، بل يذكر أنه لم يشرب الخمر، وهذا لفراسته ووعيه وحسن تفكيره.

كما أن أبو بكر لم يدعه إلا إلى الاستماع للنبي صلى الله عليه وسلم. وهو درس آخر من دروس الدعوة. وموافقة عثمان على ذلك دليل على الذي يتمسك بالمنطق و التعقل يهتدي في آخر الأمر إلى طريق الحق ويبدو له واضحا بيّنا.

وبالفعل  أسلم عثمان بن عفان وحسن إسلامه، ولم يشهد التاريخ أن زوج نبي من أنبياء الله بناته لنفس الرجل، إلا عثمان بن عفان الذي تزوج رقية بنت رسول الله عليه السلام وقد زفتها أم المؤمنين خديجة، وبعد وفاتها تزوج من اختها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كلثوم.

ويذكر أن رقية بنت رسول الله التي تزوجها أولا،  كانت متزوجة من عتبة بنت أبي لهب، لكن طلقها عتبة بعد أن أمره ابوه أبو لهب بطلاقها كما أمر بطلاق أخيه عتيبة من أم كلثوم وذلك لما نزلت سورة المسد فيه وهو وزوجته أم جميل قبل أن يتم الدخول بهما.

ويعد زواج عثمان من رقية، أكثر الزيجات تناسقا وتناغما، وهو الذي مدحته خديجة زوجة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بأنهما أحسن رآهما إنسان. وقد أنجبت له ابنه عبد الله والذي توفاه الله في سن الرابعة عشر. أما عن رقية فتذكر السير أنها توفيت بعد إصابتها بالحصبة يوم معركة بدر.

ثم تزوج عثمان بن عفان من أم كلثوم،  الريحانه الثانية للنبي محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، بعد  أن أنهكه الحزن على فراق زوجته رقية حيث انقطع نسبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكان هذا الزواج بأم كلثوم بأمر رباني حيث يذكر أن جبريل حمل هذه الرسالة للنبي عليه السلام. لتظهر مكانة عثمان بن عفان عند الله عز وجل وحسن إسلامه وصدقه. 

كما كرمه الله تعالى بأن اصطفاه مع جملة من الصحابة لكتابة الوحي المنزل على النبي عليه السلام، وهم الذين كانوا يدونون القرآن الكريم في عهده صلى الله عليه وسلم. وهذا الاصطفاء لا يدل على مقام عثمان فقط بل هو دليل على كفاءته أولا ثم أمانته.

عثمان بن عفان والقرآن الكريم

تذكر الأخبار أن عثمان بن عفان قرأ القرآن في ركعة واحدة  وقد  أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، وابن سعد في الطبقات الكبرى، وصححه الذهبي في تاريخ الإسلام، كما أكد على طلك ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: "وصح عن جماعة من الصحابة، أنهم أوتروا بواحدة من غير تقدم نفل قبلها ففي كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب عن يزيد أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة واحدة لم يصب غيرها"

وهذا دليل قاطعا على عمق العلاقة بين الصحابة عموما وعثمان خصوصا بالقرآن الكريم يعود إلى التربية الإسلامية التي تربوا عليها من النبي الكريم، فعلموا أن أقوم الكتب هو القرآن الكريم، فهو الوحي المنزل من الله تعالى، وهو الرسالة المهداة للعالمين وهو سبيل النجاة في الدنيا ويوم الدين وهو منبع العلوم وأصل المعرفة.

إن تعلق عثمان بكتاب الله تعالى جعله يجمع المهاجرين والأنصار ليستشيرهم في جمع القرآن الكريم وذلك لاختلاف قرّاء المسليمن في قراءته فعرض على كبار الأئمة في مقدمتهم علي بن أبي طالب وصفوة الأمة وتدارس معهم الأمر حتى أجمعوا على تولية الأمر لأربعة من كبار القراء وحفظة كتاب الله وهم : زيد بن ثابت الأنصاري، و عبد الله بن الزبير و سعيد بن الوقاص وعبد الله بن الحارث بن هشام.

ويعدّ هذا أمرا جللا قام به عثمان خدمة للدين وتسهيلا للأمة كافة، ساهم بالمحافظة على القرآن الكريم من خلال جمعه في مصحف واحد حتى لا يشق الأمر على المسلمين ولا يصعب فهمه وإعرابه على من الذين دخلوا الإسلام في ذلك العهد من غير العرب.

استشهاد عثمان بن عفان:

رغم إنجازاته الكبيرة كخليفة للمسلمين وأمير للمؤمنين، والتنظيم الإداري والمالي والقضائي الذي سارت عليه فترة حكمه فقد انتهى بالإمام عثمان بن عفان إلى الاستشهاد، ويذهب أهل العلم إلى المؤامرة الكبرى التي قام بها عبد الله بن سبأ. فاجتمعت عليه جماعة من الجهلة والمارقين، فحاصروا داره وعزموا على خلعه من الخلافة. وذكر عن أبي جعفر القاري أن الذين حصروا دار عثمان من ست مائة من مصر على رأسهم كنانة بن بشر، ومن الكوفة مائتين على رأسهم الأشتر النخعي ومن البصرة مائة على رأسهم حكيم بن جبلة.

ودام حصارهم حوالي اثني وعشرين يوما انتهى بقتل عثمان رضي الله عنه تعالى.

شاركه على جوجل بلس

عن منتصر بوعجيلة

باحث في الدراسات الدينية المقارنة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire