رسالة الحكمة

العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى و لم يؤمن بها.

مناظرة وفد نجران وحسم الصراع الفكري مع المسيحية مبكرا

 



شهد تاريخ الأمة الإسلامية زخما كبيرا من الأحداث والوقائع التي دونتها كتب السيرة وأخبر عنها المؤرخون وتناولها المحققون المسلمون والمستشرقون بالدرس والتمحيص. ولا يمكن لأي كان تجاهل المناظرة التي جرت بين النبي محمد عليه الصلاو والسلام مع وفد من نصارى نجران.

وقعت هذه المناظرة في 20 من شهر ذو الحجة من السنة التاسعة للهجرة، بعد أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام فقدموا في وفد من خيرة علمائهم وعارفيهم لمناظرته صلى الله عليه وسلم ومجادلته في أمر المسيح وألوهيته.

وقد أخبر ابن إسحاق في السيرة عن قصة وفد نجران فذكر عددهم الذي ناهز الستين راكبا يتقدمهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم  وهم العاقب وهو عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة ، والأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه ، وخوليد، وعمرو، وعبد الله وخالد، ويحنس.

وتحدث الأخبار بقدوم هذا الوفد في صورة منمقة مبهرة فلبسوا الثياب الحريرية وتحلوا بالخواتم الذهبية في نيتهم إبهار المسلمين أولا وكسب أسبقية على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

كره النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، لأن الإسلام يحرم لباس الذهب والحرير للرجال، فأجلت المناظرة لليوم التالي حتى أتوه بلباس الرهبان، هذا ولم يغفل الوفد عن تقديم صفوتهم وأجمعوا على ثلاثة منهم وهم: العاقب وهو عبد المسيح صاحب الرأي والأمر وهو أميرهم ولا يخرجون عن رأيه، والسيد كما ذكره الواحدي أو الطيب كما ذكره الأصفهاني في رواية أخرى واسمه الأيهم سيد مجتمعهم وصاحب رحلهم، والثالث هو الأسقف وهو أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل كان حبرهم وعالمهم وصاحب مدارسهم حتى أن ملوك الروم وأباطرتها شرفته وأكرمته وبنت له الكنائس لعلمه وجهده.

وتعدّ هذه المناظرة حسما للصراع الفكري الذي خاضه الإسلام ضّد من أنكروا على النبي عليه السلام دعوته، بعد انتصاره على الوثنيين واليهود، وما لاح في ذلك الزمان من معجزات وكرامات تأييدا للرسالة المحمدية العظيمة.

هذا الصراع الذي نقلته كتب السير، وكما ذكره القرآن الكريم أيضا، انطفأ بريقه في مصادر المسيحيين وهو دليل على ظفر المسلمين بكل المواجهات الفكرية، ولو كانت هذه المواجهة لصالح النصارى لما غيبتها الكتب المسيحية و لما ألقيت عليها ظلال النسيان والإهمال بالرغم من فرادتها ودلالة معانيها.

ولأهمية هذه الواقعة فقد اتجهت آراء علماء التفسير وأسباب النزول في اعتبار أن الآيات الثمانين الأولى من سورة آل عمران نزلت تخليدا لهذه الحادثة العظيمة. كما سميت هذه السورة ب"سورة آل عمران" تكريما وتشريفا لعائلة عمران والد مريم أم النبي عيسى عليه السلام.

بيّن القرآن الكريم حقيقة عيسى ابن مريم في هذه السورة وردت على شبهة ألوهية المسيح، يقوله تعالى: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون*الحق من ربك فلا تكن من الممترين"(آل عمران،59/60)

يعدّ هذا الجواب القرآني على شبهة خلق عيسى عليه السلام حجة دامغة وقوية أنهكت ذهن الوفد النجراني، ودحرت ادعائهم بألوهية عيسى ابن مريم لأن عملية خلقه مخالفة للطبيعة البشرية، فذكرهم الوحي بأن آدم عليه السلام خلق من تراب ولم يكن له أب ولا أم، ولم يكن نتيجة تزاوج بين ذكر وأنثى.

لم يكن عيسى ابن مريم إلها للعالمين بل كان نبيا مرسلا من أولي العزم من الرسل، أرسل داعيا إلى الله عز وجل، وهو لم يستسغه النصارى بحقيقة عيسى وكونه نبيا، يقول القرآن الكريم: "وما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز* الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير"(الحج74/75)

وهذه دعامة أخرى لنظرية النبوة على غاية من البساطة والوضوح، إذ لا يمكن لأي بشر أو ملك أن يصل إلى درجة الألوهية والتمكن من قدرات الله، بل أعظم ما يمكن بلوغه هو اختيار رباني لبشر أن يكون نبيا له، وجعل خاتمهم نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما اقتضته الرغبة الإلهية.

إذا لم يكن تبيان حقيقة عيسى عليه السلام استنقاصا لمكانته بل هي رفعة له وتذكير بمقامه عند ربه، ما يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام لوفد نجران بأنه "عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول" وهنا تلخيص لمكانة المسيح: العبودية/النبوة/معجزته.

وبتتبع خبر المسيح ابن مريم في الكتاب المقدس، نجد ما أورده متى في إنجيله "ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية، في أيام هيرودوس الملك إذا مجوس من المشرق قد جاؤوا إلى أورشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له" (إنجيل متى/الإصحاح 02)

أنبأت هذه الآية من إنجيل متى عن مكان ولادة المسيح ببيت لحم التي كانت يهودية في ذلك العهد، وأن اسمه يسوع، وحضور المجوس عند ولادته بحثا عنه أراد به البشير متى أن يبين مكانته فوق بقية الخلق خاصة وأنه ذكر في الإصحاح الأول قصة ولادته وأن ملاك الرب ظهر في الحلم ليوسف ابن داوود الذي كان خاطبا مريم العذراء وقال له: "يا يوسف بن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع. لأنه يخلص شعبه من خطياهم"(متى: الإصحاح 01/ 20)

ويذكر حلمي قمص في كتابه أسئلة حول ألوهية المسيح بمراجعة من الأنبا موسى: "السيد المسيح قد أنبأنا بأمور مستقبلية لأنه رب جميع الأنبياء، وهو مرسل من الآب لأجل خلاصنا ولكنه ليس مثل بقية الرسل فأي رسول هو منفصل عن مرسله أما السيد المسيح فقد جاء دون أن ينفصل عن الآب. بل هو كائن في الحضن الأبوي"(حلمي القمص، أسئلة حول ألوهية المسيح، الكنيسة القديسين مارمرقس الرسول والبابا بطرس خاتم الشهداء، ص11) واستدل على ذلك بما ورد في إنجيل يوحيا: "الذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي"(يوحنا الإصحاح09/ 29)

رغم كل البراهين التي يزعم الأساقفة والباحثون المسيحيون إبرازها بدعوى تأليه عيسى ابن مريم، فإن القرآن الكريم أجاب عن هذا الادعاء على لسان عيسى عليه السلام حينما أنزل قوله تعالى: "وإذ قال الله ياعيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله* قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب"(المائدة 116)

كما أن البشير متى أكد في إنجيله كما سبق على أن يسوع يخلص شعبه من خطاياهم، وهو دليل على أن عبودية عيسى فلا يمكن أن يكون الإله إلا ربا للناس أجمعين، وهو ما أوردته سورة الفاتحة "رب العالمين"، فالله رب كل شئ وخالقه وإلاهه ليس كمثله شئ متفرد في الألوهية والوحدانية.

واعتراف عيسى عليه السلام بذلك كما ذكرته الآية من سورة المائدة دليل قوي على عجزه-رغم ما تمتع به معجزات- أمام القدرة الربانية في معرفة كل شئ وعلمه بالغيب. ودوره الوحيد مقتصر على إبلاغ الرسالة الربانية يقول تعالى: "ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شهيد"(المائدة:117) 

هنا يوضح عيسى عليه السلام وعيه برسالته المنافية لهذا القول، والعجيب هو مواصلة القساوسة إلى اليوم في البرهنة على مسألة ألوهية المسيح كما رأينا، وهذا العناد الفكري يذكرنا بموقف وفد نصارى نجران التي وقفت المحاورة معهم إلى طريق مسدود حتى دعاهم الرسول عليه السلام بأمر إلهي إلى المباهلة.

ومن الآيات ساقها القرآن الكريم إخبار بهذه القصة قوله عز وجل: "فقل تعالوا ندعوا أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وأنفسكم فنبتهل ونجعل لعنة الله على الكاذبين"(آل عمران،61)

والمباهلة هي الملاعنة أي الدعاء بإنزال اللعنة على الكاذبين، ومعلوم بالتجربة أن الكاذب في المباهلة والمدعي بالباطل لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة، وقد دعا إليها النبي الكريم بعد أن أصروا على التكذيب رغم ظهور الحجة وتفنيد مزاعمهم، حينها دعا عليا وفاطمة والحسن والحسين.

قدم مع النبي الكريم أهله وخاصة خاصته، لتكون بذلك أقصى ما يمكن به إقناع الآخر بقوة اليقين وصدق نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، حينها فقط رفض الوفد المباهلة فلم يأتي محمد بضعاف القوم أو بأراذل العشيرة ولم يأتي بأصحاب مال أو جاه، بل جاء بصفوة الأهل ما جعلهم يرجعون عنها طالبين الرضا والصلح، فصالحهم عليه الصلاة والسلام على الجزية وانصرفوا خائبين وقد أوشكوا على الهلاك. 


شاركه على جوجل بلس

عن منتصر بوعجيلة

باحث في الدراسات الدينية المقارنة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire