رسالة الحكمة

العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى و لم يؤمن بها.

تعليقات سعيدة فودة على شرح صغرى الصغرى للإمام السنوسي

 

التعليقات على مقدمة الشارح وفضل الصلاة والسلام على سيدنا ومحمد

يقول السنوسي رحمه الله: "الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين"(متن صغرى الصغرى)

*أصل التربية: أورد هنا تعريف التربية كما تراه لأن علم التوحيد هو الأصل في التربية، والمقصود من التربية هو الارتفاع بالمرُبَّى ومن تربيه إلى غاية تليق به بحيث ترفع من مواهبه وكمالات وجوده بأن تساعده على اكتساب صفات كمالية هو أهل لها.

ونحن نعلم أن الله تعالى هو خالق البشر، فهو عالم باللائق بوجود البشر تفصيلا، ومن هذا الباب كان الله من حيث هو خالق قادرا على تربية البشر، "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"(الملك:14)، ومن هذا الباب كان الواجب على البشر الانقياد لله تعالى في أحكامه وشرائعه، لأن الهدف من هذه الشرائع إنما هو تكميل البشر، وهو المعبر عنه بإخراجهم من الظلمات إلى النور. فالفائدة من إنزال الشرائع إنما هي للبشر، ونزول الشرائع إنما هو بفضل الله تعالى بلا وجوب ولا لزوم، ولذلك وجب على المسلمين-بل على الناس أجمعين- أن يعتقدوا أن لا حكم إلا لله تعالى.

ومن هنا فالحاكمية التي تمارسها بعض الجهات على بعض-كبعض الدول على غيرها- هي تلبّس بصفة من صفات الله، إلا أن التحكم الصادر من هذه الدولة الحاكمة على الدول المحكومة ليس لصالح المحكومة بل لصالح الحاكمة، ولذلك فلا يسمى هذا التحكم تربية بالمعنى السابق بل هو استغلال وتحكم تسلطي بلا وجه حق.

*ثم نقل إلى المالك والمصلح للزوم التربية لهما غالبا:  لما كان الأصل في التربية أن تطلق على المعنى السابق، وكان كل مالك لشئ ومصلح له يقوم بهذا الفعل غالبا، أطلق اسم المربّي على المالك والمصلح، وإنما قال: غالبا: لأنه ليس كل مالك يفعل ذلك دائما.

*كل نوع أو جنس فيه علامة يمتاز بها عن سائر الأنواع والأجناس الحادثة: أي كل مجموعة من الموجودات يطلق عليه اسم (عالم) لا بدّ أن تكون مشتركة في بعض الصفات بحيث يصح إطلاق هذا الاسم عليها.

*ونقله المتكلمون إلى حادث: لما علم المتكلمون أصل وضع كلمة عالم، ولاحظوا بعد ذلك أن كل ما سوى الله تعالى حادث أي وجد بعد أن لم يكن موجودا، جعلوا الحدوث وصفا عاما شاملا لكل ما سوى الله تعالى من الموجودات، وصححوا إطلاق اسم العالم عليه من هذا الوجه.

وكان هذا الوجه به يعلم أحكام كثيررة عن العالم وعن خالق العالم، وهذا الإطلاق صحيح بلا ريب ومناسب مناسبة تامة، وقد ذكر الإمام السنوسي وجه المناسبة.

*"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لأيات لأولي الألباب"(آل عمران): في هذه الآية وآيات كثيرة غيرها في القرآن إرشاد إلى الطريق الذي ينبغي أن يسلك لكي يعرف المخلوق ربه، وهذا الطريق هو طريق النظر في العالم من جهات معينة للدلالة على الخالق من حيث الافتقار ودلالة بعض الصفات الحاصلة في العالم على كالحركة والتركب والتحيّز، أو إحكام الصنعة والتناسب التام الحاصل في هذا العالم، وغير ذلك من جهات. فإذا لاحظ الناظر الجهات الأولى دلته على افتقار هذا العالم إلى صانع قادر قديم غني مريد، والجهات الأخرى تدل مع ذلك على كون خالق العالم عالما مريدا خبيرا. هكذا.

وطريق الترقي من النظر في العالم وتحليله بهيئة معينة، ومن ثم الاستدلال بهذا على صفات الله تعالى، هي الطريق التي سلكها علماء أهل السنة المتكلمون. وهذه الطريقة قريبة وواضحة تسهل على عامة الناس، وتقنع العلماء وتكفيهم، فهي –لكونها طريقة قرآنية- تلائم جميع مستويات الناس، ولذلك جعلها المتكلمون في مقدمة الطرق المتبعة للوصول إلى هذا المطلب الجليل وهو معرفة الله تعالى.

*وذكر هذا الوصف-وهو رب العالمين- بعد "الحمد لله" شبه البرهان بعد الدعوى: الدعوى هاهنا أن الحمد ثابت لله تعالى، والبرهان هو كون الله تعالى رب العالمين، فيصير المعنى: إن السبب الذي من أجله قلنا واعتقدنا أن الحمد مطلقا ثابت لله تعالى، هو أنه هو رب العالمين، فربوبية الله موجب ثبوت الحمد. وهذه لفتة لطيفة من الإمام السنوسي، وهي راجعة إلى أن المستحق للعبادة والطاعة وكونه الحاكم مطلقا، إنما هو من ثبتت له التربية بمفهومها السابق الشامل للخلق والإصلاح لمن يربيه وهدايته لاستكمال وجوده، وهذا المعنى منحصر في الله تعالى، فلذلك وجب كون الحمد لله.

*فإذا هذا الوصف- وهو رب العالمين- مؤذن بحدوث....وهو دليل على الحدوث والافتقار للمحدث، ومن جهة المضاف إليه أيضا لأإشعاره بسبب جمعيته : هذا في غاية الدقة والعمق، فكون الله تعالى ربا يفهم منه أن المربوب-هو العالم- في تغير مستمر من حال إلى حال، وتغييره هذا دليل على افتقاره كما مرّ، وهذا يفهم منه وجوب حدوث هذا العالم لاستحالة التسلسل ولزوم الحدوث مما بيّنه، وكون العالمين جمعا دليل على حدوث كل ما سوى الله تعالى فليس العالم قديما بمادته كما يزعم قوم، ولا هو قديم بنوعه كما زعم آخرون، بل هو حادث بمادته وصورته النوعية كما قرّره علماء أهل السنة.

*وذلك يستلزم حدوثها: عرض الإمام السنوسي طريق الاستدلال على حدوث العالم ووجوب وجود محدث له وصانع يخالفه في الصفات التي دلت على الافتقار، فتأمل فيه

*وبالجملة فالعوالم بعد أن تقرر وجوب حدوثها: أي إننا يجب أن نعتقد وجوب حدوث العوالم لا مجرد الحدوث، بمعنى لا يصح أن نجوّز القدم على العالم، فكون العالم قديما مستحيل عقلا و شرعا. ولذلك يقول العلماء في هذا المقام: العالم حادث، خلافا للفلاسفة، أي: يجب أن نقطع ببطلان قول الفلاسفة الذين زعموا قدم العالم، لا مجرد اعتقاد حدوث العالم، وإن لزم عنه عقلا، ولكن يجب الالتفات إليه وإدراكه.

*ما ألف فيه أئمتنا على الانفراد تآليف عديدة: الكتب التي أفردت ذكر فضائل النبي صلى الله عليه وسلم وفضل الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصر منها: "فضل الصلاة على النبي" للإمام أبي إسحاق الأزدي المالكي(ت282هـ)، "القربة إلى رب العالمين بالصلاة عل محمد سيد المرسلين"لابن بشكوال، "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع" للسخاوي، "فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم" للقاضي عياض، "الدر المنضود في الصلاة والسلام على المقام المحمود" لابن حجر الهيتمي، "الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر"للفيروزآبادي، "سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين" ليوسف النبهاني، "النفحة الإلهية في الصلاة على خير البرية" للغماري، وغير ذلك كثير.

* أن من فقد شيوخ التربية فليكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يصل بها إلى مقصوده: وقد ذكر فوائد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم العديد من المشايخ المحققين في الشريعة، ومن ذلك ما قاله الإمام العلامة زروق في كتاب "قواعد التصوف" في قاعدة 114 ص86: والذكر منشور الولاية، فمن أعطى الذكر فقد أعطي المنشور، قال شيخنا أبو العباس الحضرمي رضي الله عنه: وعليك بدوام الذكر وكثرة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي سلَّم، ومعراج، وسلوك إلى الله تعالى إذا لم يلق الطالب شيخا مرشدا، فقد سمعت في سنة أربعين وثمان مئة بالحرم الشريف رجلا من الصالحين روى لي ذلك عن بعض أهل الصدق مع الله، وكلاهما معروفان، رأيتهما. والله أعلم.

وقال الشيخ زروق في قواعد التصوف أيضا قاعدة 115: نورانية الأذكار محرقة لأوصاف العبد، ومثيرة لحرارة طبعه، بانحراف عن طبعها، فمن ثم أُمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم معها، لأنها كالماء تقوي النفوس، وتذهب وهج الطباع... ولهذا أمر المشايخ بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند غلبة الوجد، والذوق لذلك شاهد.

وقد أشار إلى ذلك الصديق رضي الله عنه إذ قال: الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم أمحق للذنوب من الماء البارد للنار، ألا ترى ..إلى أخره فليعتمد.

وقد تكلم الشيخ زروق في كتابه "قواعد التصوف" أيضا على أنواع المشايخ ومدى احتياج الخلق إليهم، وذلك في القاعدة رقم 66 فقال: ضبط النفس بأصل يرجع إليه العلم والعمل لازم لمنع التشعب والتشعث، فلزم الاقتداء بشيخ قد تحقق اتباعه للسنة وتمكنه من المعرفة ليرجع إليه فيما يرد أو يراد، مع التقاط الفوائد الراجعة لأصله من خارج، إذ الحكة ضالة المؤمن وهو كالنحلة ترعى من كل طيب ثم لا تبيت في غير منحلها، وإلا لم ينتفع بعسلها.

وقد تشاجر فقراء الأندلس مع المتأخرين في الاكتفاء بالكتب عن المشايخ ثم كتبوا البلاد فكل أجاب على حسب فتحه، وجملة الأجوبة دائرة على ثلاثة:

أولها: النطر للمشائخ: فشيخ التعليم تكفي عنه الكتب للبيب حاذق يعرف موارد العلوم، وشيخ التربية تكفي عنه الصحبة لذي دين عاقل ناصح، وشيخ الترقية يكفي عنه اللقاء والتبرك وأخذ كل ذلك من وجه واحد أتمّ.

الثاني: النظر بحال الطالب: فالبليد لا بد من شيخ يربيه، واللبيب يكفي الكتاب في ترقيه، لكن لا يسلم من رعونة نفسه وإن وصل لابتلاء العبد برؤية نفسه.

الثالث: النظر للمجاهدات: فالتقوى لا تحتاج إلى شيخ لبيانها وعموما، والاستقامة تحتاج إلى شيخ في تمييز الأصلح منها، وقد يكتفي دون اللبيب بالكتاب، ومجاهدة الكشف والترقية لابد من شيخ يرجع إليه في فتوحها-كرجوعه عليه السلام للعرض على ورقة حين فاجأه الحق. وهذه الطريقة قريبة من الأولى والسنة معهما. والله أعلم. ولا يخفى على العاقل فائدة هذا الكلام، فليحرص عليه.

 

 


 

 

شاركه على جوجل بلس

عن منتصر بوعجيلة

باحث في الدراسات الدينية المقارنة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire