رسالة الحكمة

العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى و لم يؤمن بها.

البعث في الفكر المصري القديم*

 احتلت عقيدة البعث والخلود مكانة متميزة في الفكر الديني عند قدامى المصريين، ونظرا لأهمية هذه العقيدة عندهم كانت تحتل مكان الصدارة في مختلف المصادر المهتمة بالتاريخ المصري القديم. وكان كتابهم الديني المعروف ب"كتاب الموتى" يهتم أساسا بحياة مابعد الموت. يقول المؤرخ اليوناني هيرودوت " إن المصريين هم أول الشعوب الذين اعتقدوا بخلود النفس"(1)

فتاريخ المصريين القدامى أكثره تطبيق عملي لعقيدة البعث فكانت حضارتهم المعمارية والعلمية معبرة بوضوح عن عمق إيمانهم بالحياة بعد الموت. جاء في كتاب الموتى أن الميت كان يقول: "أنا لا أموت مرة ثانية في العالم الثاني"(2)

إنّ قدماء المصريين، وإن كانوا أكثر شعوب الأرض تأثرا بعقيدة البعث والخلود الأمر الذي انعكس على مختلف أوجه حياتهم, فإنهم لم يكونوا أول من آمن بالخلود النفسي. لأن عقيدة عبادة الأرواح كانت من أقدم الأاديان البدائية, ومازالت جذورها راسخة إلى اليوم في أواسك إفريقيا وفي أستراليا وفي بلاد الهند(3)، كما أن المرجعية الدينية في المعتقدات السماوية تؤكد أن جميع الأمم عرفت عن طريق أنبيائها عقيدة البعث، قال تعالى: "وإن من أمة إلا خلا فيها نذير"(4)

لكن الذي ميز المصريين عن غيرهم من المجتمعات هو اعتناؤهم المبالغ فيه بالخلود، فكان حاضرهم كله من أجل الاستعداد لمستقبلهم, فالدنيا لم تكن إلا ممرا للخلود الأبدي(5) وحرصا على ضمان اللآخرة اهتموا بكل ما يخلد ذكراهم, فأرادوا أن يكون خلود حضارتهم مساوقا لخلود أرواحهم وأجسادهم.

لهذا كانت حضارتهم تعبر عن روح الكبرياء وحب البقاء، فكانت قبورهم الشامخة وأجشادهم المحنطة تعبيرا واقعيا عن تمسكهم بحب الحياة الخالدة.

هذا التمسك الذي عبروا عنه بكيفية الدفن عندهم. فكانوا يدفنون موتاهم في وضع القرفصاء وهو الوضع الذي يكون عليه الجنين في بطن أمه وهو يستعد لدخول الحياة(6)يقول عبد الله عبد البار في حديثه عن قدماء المصريين "والذي أريد أن أصل إليه هو أن المصريين  اعتقدوا في البعث ودفنوا موتاهم في فجر تاريخهم بطريقة تشعر بأنه سوف يحيا ثانية، ولما تقدموا وتطورت حضارتهم أدخلوا عنصر التظاهر وحب الفخر والكبرياء مع اعتقادهم بالخلود والحياة الأخرى. فبنوا الأهرام، وتركوا لنا هذه الآثار التي يقف الإنسان أمامها مبهورا من روعة بنيانها ولايكون المقصود منها حفظ الأحياء فقط ولكن إظهار القوّة والفخر والكبرياء"(7)

إن عقيدة البعث عند المصريين القدامى و إن خضعت للطابع الأسطوري، إلا أنها كانت مكتملة في صورتها فهناك بعث وهناك حساب وهناك جزاء. كيف تجلت هذه المحطات البارزة للبعث في فكرهم الأسطوري؟

*البعث كما يراه قدماء المصريين:

استمد المصريون عقيدة البعث من مشاهدتهم لطبيعة الأرض فهي تموت ثم تحيا. وضمنوا فكرة البعث عندهم في كتاب الموتى الذي يذكر مختلف مراحل ما بعد الموت من بعث وحساب وجزاء، يقول ولديورنت: "وكان أهم ما يميز هذا الدين توكيد فكرة الخلود.فالمصريون يعتقدون أنه إذا أمكن أن يحيا النيل، ويحيا النبات كله بعد موتهما فإنّ في مقدور الإنسان أيضا أن يعود إلى الحياة بعد الموت"(8)

إلا أن البعث في تصوّرهم بدا ساذجا فهم يتصورون أن الميت يحيا حياة مادية ويحتاج إلى ما كان يحتاجه قبل موته من طعام وشراب وعمل(9)

*الحساب والجزاء:

إن البعث الذي يقول به قدماء المصريين تتجلى صورته في فهمهم للحساب والجزاء، فالبعث يبدأ بالموت والإنسان عند كهنتهم يتركب من أربع طبائع، الجسم المادي، والظل وهو يلازم جسده في القبر، والنفس التي تمثل أمام الإله للحساب، والروح وهي الشرارة الإلهية المحركة للجميع.

والإنسان بعد موته يعرض على الإله أوززريس للحساب، وتتشكل المحكمة الإلهية من الإله أوزوريس رئيس المحكمة الذي يجلس في صدر قاعة مكللة بالقناديل وبعلامات الحق، وبجانبه آلهة الأركان الأربعة للعالم ومعهم إثنان وأربعون قاضيا بعضهم برؤوس بشرية وبعضهم الآخر برؤوس حيوانية، وعلى رأس كل منهم سيف ليقتل به المذنب, ودور هيئة المحاكمة ملاحظة كفتي الميزان الذي يزن الأعمال, وفي زاوية من القاعة وحش مفترس متعدد الأشكال يلقى إليه الخاطئ.

وللميت حق الدفاع عن نفسه أمام مجلس القضاء، فيقوم بعرض حسناته وبيان فضاله. وردت في كتاب الموتى صورة للمرافعة التي يدافع بها الميّت عن نفسه ومما جاء فيها: "أيها الإله العظيم، رب الحقّ، أتيت ملتمسا نعمتك، إني أعرفك وأعرف اسمك فأنت أبي أوزوريس إله الخير ومدبر الأنفس.واعرف الأربعين إله الجالسين معك في ديوان الحق لمراقبة الأشرار.الحق دعوني أن أعرفكم لأني لم أرتكب شرا خفيا ضدّ قريبي ولا أحزنت أحدا. ولاكذبت على أحد، ما أتيت عملا رديئا ولم تكن بيني وبين الشرّ مخالطة، ولم يترتب على عملي وجود خائف أو فقير أو متألم أو تعيس.."(10)



الهوامش:

*من مقال للدكتور حراث بوعلاقي: مسألة البعث في الفكر الديني قبل الإسلام، مجلة التنوير عدد07، سنة 2004-2005، ص27,

1.انطوان ذكرى، الأدب والدين عند قدماء المصريين،ط1، دار المعارف،1923،ص101

2,المرجع نفسه،ص107

3.للاطلاع على نموذج عبادة الأرواح ،انظر ديانات الأرواح الوثنية، ل.ج.فرويليشن تر يوسف شلبن دار المنارة سورية

4.فاطر،35/24

5.أبوزهرة، محمد، مقارنات الأديان القديمة، دار الفكر، ص16.

6.الأنبا يؤانس (أسقف الغربية)، السماء، بدون ناشر، ص28.

7.اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام، ط2،دار الوفاء، المنصورة،1992،ص31

8.ول ديورانت، قصة الحضارة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ترجمة محمد بدران،1/162.

9.أبو زهرة،المرجع السابق، ص17

10.قصة الحضارة، 1/264

شاركه على جوجل بلس

عن منتصر بوعجيلة

باحث في الدراسات الدينية المقارنة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire