رسالة الحكمة

العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى و لم يؤمن بها.

نظرية المعرفة عند ابن رشد

 


مقدمة:

يعدّ المشروع الرشدي مشروعا تأسيسيّا شيّده بنظريته في المعرفة القائمة على نبذ التقليد والخضوع واستبدالها بإعادة النظر في الموروث المعرفي الإنساني والإسلامي، قد كان ابن رشد يسعى من خلال آرائه التنويرية إلى التأسيس للتفكير العقلاني الحرّ القائم على البرهان والإنفتاح على الإنتاج الفكري البشري من أجل معالجة كل الإشكاليات المعرفية معتمدا في ذلك على آلة النقد.

 

ماهو مفهوم المعرفة عند ابن رشد وماهي طبيعتها؟

ماهي مصادر المعرفة عند ابن رشد

1.ترجمة سيرة ابن رشد[1]:(520هـ-595هـ/1126م-1198م)

هو أبو الوليد محمد بن أحمد ابن رشد، ولد في قرطبة في بيت اشتهر بالعلم والفقه: فكان جده من أشهر أهل زمانه تضلعا في الفقه، وقد ولي منصب قاضي القضاة في الأندلس. وكان والده قاضيا.

كانت دراسة ابن رشد على طريقة أهل السنة فدرس المذهب الأشعري في العقيدة والمذهب المالكي في الفقه. كما تعززت معرفته العقلية بدراسته للطب والرياضيات والحكمة. استعان به أول ملوك الموحدين عبد المؤمن سنة 547هـ ليعاونه على إنشاء معاهد العلم .

وفي عام 564هـ/1169م عينه الخليفة قاضيا في إشبيلية لخص فيها ابن رشد كتاب "الحيوان" لأرسطو ثمّ عيّنه أبو يعقوب قاضيا في قرطبة سنة 566هـ/1171م وبقي ما يزيد عن عشر سنوات شرح فيها كتاب "مابعد الطبيعة" لأرسطو  وكتب أخرى.

وفي سنة 577هـ/1184م استدعاه الخليفة إلى مراكش وجعله طبيبه الخاص، ثمّ أعاده إلى قرطبة بوظيفة قاضي القضاة.

حضي ابن رشد بمكانة مرموقة في الأوساط النخبوية الأندلسية حتى بعد وفاة أبي يعقوب وخلافة ابنه أبو يوسف الملقب بالمنصور سنة 579هـ/1184م، حتى أصبح سلطان العقول والأفكار، ولكنّ هذه الحظوة لم تستمر فقد لقي من حسد الفقهاء والمتزمتين ما لقي فتمّ تكفيره وزندقته حتى وصل به الأمر إلى النفي في قرية تدعى اليسانة جنوب شرقي قرطبة، وأمر الخليفة بحرق كتبه وحضر الاشتغال بالفلسفة والعلوم.

أثّرت هذه المحنة على ابن رشد فتسببت في وفاته سنة 595ه/1198م رغم عفو الخليفة عنه وإعادته إلى سالف نعمته.

كان ابن رشد غزير التأليف والتصنيف، فقد دون كتب الفقه والنحو والطب والفلك والفسلفة وعلم الكلام حيث لا تقلّ مؤلفاته عن سبعين مؤلفا. يمكن تقسيمها إلى قسمين:

*قسم أول: يضم شروحات ابن رشد لفلاسفة اليونان

*قسم ثان: يضم ما كتبه ابن رشد من مقالات وشروحات لفلاسفة الإسلام.

ومن آثاره:

-كتاب التحصيل جمع فيه اختلاف أهل العلم، من الصحابة والتابعين، وتابعيهم.

-كتاب المقدمات في الفقه.

-كتاب الكليّات.

-كتاب شرح فيه الأرجوزة المنسوبة لابن سينا في الطب.

-كتاب الحيوان

-كتاب الضروري في المنطق، ملحق به  تلخيص كتب أرسطو وقد لخصها تلخيصا كاملا.

-كتاب تهافت التهافت رد فيه على كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة.

-كتاب منهاج الأدلة في علم الأصول

-كتاب فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال.

 

 

 

 

2.نظرية  المعرفة عند ابن رشد

أ.خصائص المعرفة عند ابن رشد:

*المعرفة إنتاج إنساني وطبيعة بشرية: حدّد ابن رشد المنهج الذّي يجب اعتماده من طرف البشر في بحثهم عن الحقيقة، معتبرا أنّ الإنسان قادر على امتلاك الحقيقة واكتسابها. فهو يعتبر أنّ الإنسان من خلال المنهج البرهاني، يصل إلى تبيّن الحقّ، مستندا إلى حثّ الشريعة الإنسان على التدبر والتفكر والتأمل دليل قاطع أن الإنسان يمتلك من الآليات والأدوات ما يمكّنه من تحرّي الحقيقة. فالإنسان له من الأدوات المعرفية مستفيدا من الحواس والقدرة العقلية على التساؤل والشك و النظر.

*واقعية المعرفة: تستمد المعرفة واقعيتها من العالم المحسوس المادّي، والوجود المعقول يقول ابن رشد: "وذلك أن بالعقل ندرك ماهية الشيء وضورته وبالحس ندرك شخص تلك الماهية..

*معرفة تصاعدية: أي ينتقل فيها العقل من المعطيات الجزئية إلى معقولات كليّة

*تراكم المعرفة: أي أن العلم إنتاج بشري يترجم إدراكاته لمختلف الظواهر الطبيعية والمسائل التي تثير فيه الخيرة فهذا يجعل من العلم نسبي وجزئي، فالمعرفة باعتبارها إنتاجا إنسانيا لابد أن تصاغ صياغة تسمح بالفهم الدقيق للمعرفة والقدرة على التحقق منها وتوظيفها فهم مختلف المواضيع.

ب.موضوعات المعرفة عند ابن رشد:

الوجود: جميع الموجودات هي هي موضوع المعرفة الإنسانية وليس هناك موضوع يمكن استثناؤه.  

أنواع المدركات:

*مدركات عينية حسية: هي عالم الطبيعة بظواهرها المختلفة المتنوعة

*مدركات نظرية مجردة: هي القضايا المجردة التي يكوّن منها الإنسان حقيقة هذا الوجود

ج. نظرية الاتصال بالعقل الفعال

يستخدم ابن رشد النظام التسلسلي في عملية التدرج فيرتقي العقل ويسمو إلى الصور الروحانية التي تنسب إلى المخيلة والتي تتوسط الصور الهيولانية و المعقولات.

أقسام العقل عند ابن رشد:

*العقل الهيولاني أو العقل المادي: وهو مرتبة بين العقل الفعال والعقل المنفعل وهو مايسمى بعقل النوع الإنساني[2] فالمعقولات توجد فيه بالقوة وأنه مجرد ومستعد لإدراك الصور العقلية

*العقل بالملكة أو العقل بالفعل: وهو العقل البشري الفردي يكون متصلا بالمادة والحواس يختلف ويفنى بفناء الجسد[3] أصبحت فيه المعقولات معقولة بالفعل بعد أن ارتقى ليدرك المعاني العقلية

*العقل المستفاد أو العقل الفعال: يتجه ابن رشد منهج أرسطو بأن العقل الفعال فعل دائم وهو موجود خارج النفوس الفردية سواء عقلته هذه النفوس أم لا[4]

3.تأثير ابن رشد في الفكر الإنساني

حاول ابن رشد التأسيس لمنهج علمي بعيدا عن عن التخمين والظن با منهجا قياسيا يقوم على القياس العقلي البرهاني الذي يضمن وحدة المعرفة وصحتها فالعقل "يشكل حلقة الوصل بالمعنى العلمي بين كتاب الطبيعة وما بعد الطبيعة أو بالمعنى الجوهري بين العالم البشري والعالم الإلهي"[5]

فالمنهج الرشدي يتماشى وقدرات الإنسان يتميز بالواقعية والعلمية "إن العقل الإنساني إنما هو ما يدركه من صور الموجودات ونظامها"[6] لتكون القدرة المعرفية لدى البشر قادرة على استنباط الحقيقة من الطبيعة ونظامها.

وهذا المنهج البرهاني يجعل ابن رشد في صدارة من أسسوا لعقلانية المعرفة فكان له الأثر العظيم في الفكر الإنساني بترجمة مؤلفاته وانتشرت في الغرب لبعث حركة فلسفية متحررة من كل القيود إلا سلطان العقل[7]

بردّ الاعتبار للحواس والعقل من خلال المنهج البرهاني الصارم الذي اتبعه ابن رشد يستطيع الإنسان أن تجاوز المعوقات الإيدويولوجية والمذهبية والانفتاح على الآخر وتجاوز مختلف التأويلات التي تبعد المعرفة عن دائرة الحقيقة، فيكون مشروع ابن رشد تشييدا حضاريا.

الخاتمة:

تعتبر الجهود التأسيسية للمعرفة عند ابن رشد مشروعا إنسانيا عالميا يهدف من خلاله الفليسوف إلى تحرير الإنسان من القيود المعرفية التي تجول دون الرقي به والتقدم

دون احتكار لإنتاج المعرفة ودون معارك وهمية تقود الإنسانية إلى الاشتباك تحت طائلة اليقين أو الدفاع عن الحقيقة



[1]  انظر مقدمة كتاب "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال لابن رشد، تعليق ألبيير نصري نادر، دار المشرق، بيروت/لبنان، ط2، د.ت، ص11.

[2]  -السعيدي ، حميد خلف : دراسات فلسفية ، منشورات دار أبجد – بغداد – شارع المتنبي ، 2006 ،ص123

[3]  المرجع نفسه: ص123

[4]  الخضري ، زينب محمود : اثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى ، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، 2007( ، ص333

[5]  المصباحي محمد : إشكالية العقل عند ابن رشد. المركز الثقافي  العربي الدار البيضاء، ط1 ، 1988 ،ص 6.

[6]  .ابن رشد، تهافت التهافت، تهافت التهافت، سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد. إشراف محمد عابد الجابري، دراسات الوحدة العربية.ص273

[7]  ابو القاسم حاج احمد،ابستيمولوجية  المعرفة الكونية،إسلامية المعرفة والمنهج، سلسلة فلسفة الدين والكلاك، دار الهدى للطباعةوالنشروالتوزيع، بيروت ، لبنان 2004.ص 125.

شاركه على جوجل بلس

عن منتصر بوعجيلة

باحث في الدراسات الدينية المقارنة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire