المقدمة:
الحمد لله الذي أنار قلوب العرب والعجم
بنور الإيمان *الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، أما بعد:
تعتبر ظاهرة تعاطي المخدرات من أكثر الظواهر الاجتماعيّة انتشارا داخل
المجتمعات الإنسانيّة كافّة، فقد استطاعات اختراق الحصون المشيّدة للقيم والأخلاق
الدينية والثقافية والاجتماعية، والقفز وراء الجدران الحصينة التي شيّدتها الدول
والحكومات بسياساتها الأمنية والقضائية ومنظومتها العقابيّة الردعيّة.
وقد ارتبطت هذه الظاهرة ارتباطا وثيقا
بكثير من الجرائم التي تهدّد تماسك المجتمعات لتمسّ بالاستقرار الاجتماعي داخل
كثير من الأقطار وتنبؤ بانهيار حضاري وجودي لا ريب فيه.
نحاول في هذه المداخلة تجاوز الأسباب
القريبة التي أدّت لانتشار هذه الظاهرة الخطيرة والتي نزعم دوما أنها الأسباب
الاقتصاديّة المتمثّلة في انتشار الفقر والبطالة في حين أنّ الواقع يثبت انتشار
الظاهرة داخل كلّ الشرائح : أثرياء، فقراء، شباب، كهول، ذكور إناث..مثقفين وأصحاب
المستوى التعليمي المتدنّي.
ونهدف في هذه العمل، إلى تقصّي البعد المعرفي الذي يقف
وراء هذه الظاهرة، أي كيف يمكن لنا أن نفسّر معرفيّا وفلسفيا، هذا الانتشار الواسع
لهذه الظاهرة؟ ثمّ نطرح المقاربة الإسلاميّة التي يضعها الإسلام من خلال المنظومة
القيمية والأخلاقيّة التي أعلنها للعالم كلّه، بقراءة في السياق القرآني والسنة
النبويّة المطهّرة، أي ما هي التوجيهات القرآنية الشاملة لدرء الآفات الاجتماعيّة.
وللإجابة عن هذين السؤالين يبدو من
الضروري تحديد بعض المفاهيم والمصطلحات كمدخل منهجي حتميّ ليساعدنا على تفكيك هذه
الظاهرة.
ما معنى القيم وهل توجد فروق بينها وبين الأخلاق؟
مدخل مفاهيمي:
الفرق بين القيم والأخلاق: يمكن عزو الالتباس القائم بين هذين المفهومين إلى سببين إثنين: الأوّل هو
المدوّنة المعجمية الضخمة التي تميّزت بها الثقافة العربية وقدرتها اللافتة على
الانفتاح الدلالي وتطويع الألفاظ المختلفة التي ترد عليها إضافة إلى تعدد المعنى
للفظ واحد، فلا غرابة للعلماء أن يتجهوا صوب آلة التأويل قصد البلوغ إلى غايتهم
المعرفية أو الإيديولوجية. والسبب الثاني: أنّ هذه المفاهيم شأنها شأن المفاهيم
الفلسفية والسياسية المجردة المحايثة للواقع والتي تقف على تخوم الأفكار. ووجود
هذا المدخل المنهجي ضروري حتّى نستطيع إيجاد الخطّ الناظم الذي يمكننا من الوصول
للغاية الدلالية من باب أن تحرير المعنى نصف الفهم.
في ظلّ هذا الالتباس الجلّيّ لهذين
المفهومين، نحاول تحديد الدلالة اللغوية ، والاصطلاحية:
الدلالة اللغوية:
-القيم: "والقِيَم: جمع قامة من قَوْلهم: قامة وقِيَم وقُومة وقامات أَيْضا. والقامة
أَيْضا: آلَة السّانية، وَالْجمع أَيْضا قِيَم"[1] و
"قيّم الأَمر: مُقِيمهُ. وأمرٌ قَيِّمٌ: مُسْتقِيم. وَفِي الْحَدِيثِ: أَتَانِي
مَلَك فَقَالَ: أَنت قُثَمٌ وخُلُقُكَ قَيِّم أي مستقيم حسن"[2] القثم
هو المعطاء
وفي القرآن الكريم نجد قوله تعالى:
وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ؛ أَي دِينُ الأُمةِ الْقَيِّمَةِ بِالْحَقِّ، ويجوز
أَن يكن دِينَ المِلة الْمُسْتَقِيمَةِ؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إِنَّمَا أَنثه
لأَنه أَراد المِلة الْحَنِيفِيَّةَ[3]
-الأخلاق: والخلق: خلق الْإِنْسَان الَّذِي طبع عَلَيْهِ. وَفُلَان حسن الْخلق
والخلق وكريم الخليقة وَالْجمع الْخَلَائق والخلق أَيْضا يسمون الخليقة وَالْجمع
خلائق أَيْضا[4]
وفي كتاب الله عزّ وجلّ نستدرج إلى هنا الآية الشهيرة في سورة القلم: "وإنك لعلى
خلق عظيم" والتي قالت السيّدة عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عن هذه الآية :
كان خلقه القرآن"
وما كان هذا الخلق العظيم على حدّ قول الشيخ محمد الحبيب بالخوجة في مقدمة تحقيقه لكتاب الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور مقاصد الشريعة الإسلامية "إلا السمت الفريد الذي جاء به القرآن، وتقمّصه الرسول صلى الله عليه وسلم لكمال تعلّقه به"[5]
الدلالة الاصطلاحية
-القيم: مصطلح دخيل بالمفهوم الشائع اليوم على المعجم
العربي، من منطلق أنّه ترجمة لعبارة valeur/value والتي
تشير إلى معاني الخير والحق والجمال. فالقيم والقيمة خلق يتجسد في كلّ ما هو خير
وما هو حسن مما ترتقي به الصفات إلى درجات الصلاح و الكمال في مقابل كل ما هو
قبيح، مما لا يضفي إلا الفساد والنقصان[6]
والقيم في
الفكر الغربي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمجتمع، يتمّ التعريف بها من خلال النسق الاجتماعي، ورد في معجم العلوم
الاجتماعية: "القيم أحكام مكتسبة من الظروف الاجتماعية، يتشربها الفرد ويحكم
بها وتحدد مجالات تفكيره وسلوكه وتؤثّر في تعلمّه. فالصدق والأمانة والشجاعة
والولاء، وتحمّل المسؤوليّة كلها قيم يكتسبها الفرد من المجتمع الذي يهيش فيه
وتختلف باختلاف المجتمعات بل والجماعات الصغيرة"[7]
فالمجتمع هو
مجال حيوي تنبثق منه الثقافة والمبادئ والأفكار في المنظور الغربي، الذي أثّر فيه
دوركايم أيم تأثير الذي يؤكّد على ما قلنا سابقا: "القاعدة الأخلاقية لا
تنبثق عن الفرد ولكن المجتمع هو أساس القيم، ومصدر القيم العليا، وأنها نتاج
اجتماعي لعوامل اجتماعية"[8]
ومن هنا يمكننا تفهّم انتشار أصناف من القيم الاقتصادية
والسياسية والدينية والأخلاقية التي تأثّرت بالنمط الاجتماعي السائد من جهة ومن
تعريف فسادت قيم النابعة من المسيحية، ثم بعد الثورة الصناعية ونهضة أوروبا
الحداثية كانت القيم المستمدة من فلسفة الأنوار والقيم السياسية بالتحديد وهي قيم
مستمدة من نظرية العقد الاجتماعي وبعد سيادة اللبرالية وتعريف الإنسان ككائن
اقتصادي كانت القيم نتاج أحوال السّوق ومبادئه القائمة على الربح. ونحن نتحدث
اليوم عن ما بعد الحداثة وثورة الذكاء الاصطناعي وما يمكن أن تنتجه.
أما في تراثنا
العربي الإسلامي، فمصدر كلّ شئ هو القرآن الكريم، لذا نجد المفكر المغربي طه عبد
الرحمان يقول: "وإن الأسماء الحسنى هي خزائن القيم التي بها قوام تخلّق الإنسان"[9]
-الأخلاق: مفهوم شائع في التراث في الإسلامي و نجد له حضورا قويّا داخل المصنفات الفقهية
والحديثية والعقدية والحديث المرجعي لهذا هو قوله صلى الله عليه وسلم "إنما
بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"
فتعدّدت تعريفاته منها تعريف
الغزالي: يقول"فالخلق عبارة عن هَيْئَةٌ فِي النَّفْسِ رَاسِخَةٌ عَنْهَا
تُصْدِرُ الْأَفْعَالَ بِسُهُولَةٍ وَيُسْرٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى فِكْرٍ
وَرَوِيَّةٍ"[10]
وقد جعل الغزالي لحسن الأخلاق أركانا أربعة وهي: وهو قوة العلم وقوة
الغضب وقوة الشهوة وقوة العدل[11]
وقد جعل أصول الأخلاق أربعة: "أمهات
الْأَخْلَاقِ وَأُصُولُهَا أَرْبَعَةٌ الْحِكْمَةُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْعِفَّةُ
وَالْعَدْلُ"[12]
فهي بهذا المعني "قوى نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال
الحميدة، والآداب المرضية، فيصير ذلك كالخلقة في صاحبه"[13]
لذلك عدّد العلماء الآيات التي تنبع
منها رائحة الأخلاق، وتحوّلت إلى علم بين العلوم التي استنبطها علماءنا، حتّى أنّ
السيوطي عدّد علمين متصلين بالنظر الأخلاقي المستمدّة من النظر الأخلاقي وهما
الموعظة من القرآن والتفسير الإشاري. أمّا الفخر الرازي بيّن أن العلوم المستنبطة
من قوله تعالى "والمؤمنون كل آمن بالله : هي معرفة الذات والصفات والأفعال و
الأحكام والأسماء. والأحكام هنا يراد بها "أحكام الله تعالى وتكاليفه"،
وتنقسم إلى أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فأعمال القلوب هي علم الأخلاق وأعمال
الجوارح هي "التكاليف الحاصة في أعمال الجوارح وهو المسمى بالفقه"
وقال النظام النيسابوري" وما من علم إلا وفي القرآن أصله، ومنه شرفه
وفضله"[14]
"فالقرآن أنزله تعالى كتاباً لصلاح أمر الناس كافة،
رحمةً لهم، لتبليغهم مراد الله منهم. والمقصد الأعلى من ذلك صلاح الأحوال الفردية
والجماعية والعمرانية. قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا
لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[15]
المبحث الأوّل: البعد المعرفي لظاهرة
تعاطي المخدرات
متعاطي المخدّرات هو "فرد يتناول مواد مخدّرة بشكل متقطع
أو منتظم بحيث يؤدي تنازلها إلى أضرار له وللمجتمع وهو أقل مستوى من المدمن"[16]
أما مدمن المخدرات فهو "الفرد
الذي ربط حياته بعقار ما وتعود عليه أو على مادة مخدرة ولا يستطيع الامتناع عنها
وعن تعاطيها ويعجز عن ممارسة أنشطته اليومية بدونها ويعيش في حالة نفسية وجسمية
واجتماعية سيئة ومضطربة"[17]
لماذا يقع الفرد في إلحاق الضرر بنفسه،
هنا يمكن عزو سبب ذلك معرفيا إلى مبادئ ثلاث انتشرت مع سطوة العولمة وأخلاقها
وقيمها، وهي تعبّر أساسا عن "نموذج معرفي غربي" وهي عبارة المرحوم عبد
الوهاب المسيري. فالمنتجات الغربيّة التي اقتحمت مجالنا التداولي لغويا و مجالنا
الاستهلاكي في مستوى التجاري ومجالنا الاجتماعي بزعزعة الأسرة لا تعبّر إلاّ عن
مفهوم الغرب للحياة. وقد استنتجت أنّ متعاطي المخدرات في الغرب أو في مجالنا
الجغرافي هو نتاج العدمية وعدم الإحساس بالانتماء لهذا العالم
1. مبدأ اللّذة: استفادت الحضارة الغربية أيّما استفادة من
موروثها اليوناني، ولم يكن أعلامها
الأوائل
مجرّد أعلام أثّثوا صفحات قديمة من صفحات التاريخ، بل أنّه تتجلّى أفكارهم ورؤى
العالم لديهم في محاولات الغربي الحديث للإجابة عن تساؤلات عصره، خصوصا وأنّ
المسيحية لم تعد قادرة على تحدّي الواقع الأوروبي/ الغربي، كما لم تكون قادرة على
احتواء الحداثة بداية من حركة الإصلاح الديني اللوثري. تعدّ السعادة مشغلا محورا
في العصور القديمة وهي غاية قصوى يرغب الإنسان تحصيلها، فهي حالة من الإرضاء التام
للذات وتتسم بالديمومة والمذهب الأبيقوري[18] و
الذي يقوم على ثنائية اللذة والألم هو تجسيد لمفهوم السعادة .فعند مشاهدة سلوك
الإنسان في كل أدوار حياته من ميلاده إلى موته، "فإننا سنجد قطعا أن الإنسان
يرمي دائما إلى تحصيل اللذة وتجنب الألم، والوصول إلى السعادة"[19]
وقد
بيّن عبد الرحمان بدوي علاقة الأبيقوريين بالمسألة الدينية "أما الدين وما
يتصل بالله بوجه عام فقد لاحظ الابيقوريون، وأبقيور على رأسهم، أن عدم الإيمان
بالدين الشعبي المألوف والمعتقدات الدينية عموما أسلم بكثير من الإيمان بها"[20]
هذه
الرؤية ترجع أساسا إلى الألم الذي يحدثه التفكير في المستقبل و في الهمّ الديني
الذي يحدث للإنسان حين البحث عن إجابة لأسئلته الوجوديّة، أبيقور لم يهدف في
الواقع إلى أن ينشد الطمأنينة حتى أنه ينكر أن يشتغل الفيلسوف بالرياضيات و
الموسيقى والتاريخ لأنها تملأ الذهن بمعلومات غير مفيدة أو أوهام.
أفضل
بيئة تحقق بنجاعة مبدأ اللذة والألم هي العلب الليلية لذلك نجد انتشارا واسعا
للمخدرات ترويجا واستهلاكا وفضاء مناسبا بحثا عن السعادة والطمأنينة وهي بيئة
يتفرّد بها الأثرياء ماديّا من أجل صناعة كيان داخلي ومجتمع مضيّق بعيدا عن كلّ
هموم المجتمع الكبير، هذا المجتمع الصغير له مبادؤه وقيمه وأخلاقياته وأنماط من
الاستهلاك وأنواع أرقى من المخدرات ويمكن
وصفه بأنه مجتمع هامش.
2.
مبدأ
الرفض: وهو مبدأ يتأتّى من حالات وعي بالمشكل. وهو مرتبط أساسا بفئة الشباب
استنتجته من خلال ما خطّه ابن رشد في تلخيصه لكتاب الخطابة لأرسطو، حينما تحدّث عن
أخلاق الشباب: " وأفعالهم غير محددة ولا مقدرّة: فيحبّون جدا ويبغضون جدا
وبالجملة فيفرّطون في كلّ شئ وذلك بسبب إغراقهم في كل شئ ويركبون الظلم مجاهرة
والأشياء التي منها العيب والفضيحة وهذا أيضا لجسارتهم وإفراطهم في الأشياء"[21]
ومبدأ الرفض نجده في المراهقين الذين استمدوا فهمهم للحياة من فهم الآخر الغربي
للعالم ومحاولة تحقيق الوضع الاجتماعي
الذي يتمتع به الشاب الأوروبي: ما يقع تحت عبارة "الحلم
الأمريكي".
هذا الحلم يتحقق في
بيئة اجتماعية التي تسمى باالأحياء الشعبية سواء في أوروبا أو في أحيائنا العربية
والتي يتحوّل فيها الشاب إلى متملّك لأمراض اجتماعية تقوده للتطرف الديني أو
التطرف الأخلاقي، لفقره أو لإحساس بعدم الانتماء.
أغاني الراب التي لا تعبّر عن حقيقة ما
في المجتمع، أصبحت الملاذ الذي يهرب إليه المراهق الرافض، لعنصرية المجتمع أو سلطة
الدولة، حيث نجد العبارات مع الخلفية الموسيقية التي لن تقود إلا لتعاطي المخدرات
لأنها من الأشكال الأساسية للرفض. رفض المحيط المهني والاجتماعي والسياسي
والثقافي.
3.
مبدأ
القوة والسيطرة: يرى روجي غارودي أنّ
الغرب باستعلائه قد أضاع فرصا كثيرة للاستفادة من الحضارات الأخرى ويرجع ذلك إلى
رسوخ التقاليد الرومانية على الفكر الغربي : "ولما كان الغرب يعتبر مركز
العالم فإن الباحثين يتحدثون عنه حديثهم عن المعمورة، في حين أن شعوبا كبيرة كانت
تعيش وتعمل وتبدع في تخومه. وهي شعوب تجهل جميعنا، باستثناء الأخصائيين"[22]
وقد لخّص نيتشه الأخلاق إلى مرجعين
اثنين هما "أخلاق السادة" و"أخلاق العبيد" أي أخلاق القوّة
وأخلاق العاجزين. يقول بدوي أن "مصدر كل هذه القيم الجديدة التي يضعها العبيد
والمسودون هو الشعور بالعجز، ثم الحقد العنيف الدفين على الأقوياء الأرستقراطيين
النبلاء. ولا يلبث هذا الشعور والحقد أن ينقلبا إلى أشياء في قدرتها أن تخلق قيما
أخلاقية"[23]
مدرجات الملاعب التي تحوّلت إلى فضاء
رحب يقوده الصراع ضدّ الجامعة وضدّ الشرطة، وضدّ الفرق الأخرى بل ضدّ المجموعات
داخل الفريق الواحد تفسّر بعمق الرغبة في تملك القوة وفي السيطرة لأنه إحساس قوي
بلحظة العجز ضدّ الطرف الذي يمثّل السادة.
ومنبع كل هذه المبادئ هو الإحساس
بالعدمية والعبث في الحياة. يقول المسيري:
"حينما لا يجد الإنسان معنى في
الكون يتفسّخ ويصبح عدميّا و يتعاطى المخدرّات وينتحر ويرتكب الجرائم دون سبب مادي
واضح. وقضيّة المعنى تزداد حدّة مع تزايد إشباع الجانب المادّي في الإنسان، فكأنّ إنسانية
الإنسان لصيقة بشئ آخر غير مادي[24]
فهل يحقّق الإسلام هذا المعنى؟
المبحث الثاني: المنظومة القيمة
الإسلاميّة
1.
القيم تجاه الإله/الدين
Ø
الحريّة:
وهي من القيم الأساسيّة الضروريّة والتي يكشفها مفهوم العبادة، بماهي غاية التذلل
على تعبير الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن.
ينبني الشعور بالحريّة حين يتحرر الإنسان من عبادة
الإنسان و المادة والعرق والدم المقدس، وعبادة الذات، والانغماس في عبادة الله رب
العالمين، قال تعالى "واعبد بك حتى يأتيك اليقين" اعبد ربك يقول فيها
الرازي "اعبد ربك في زمان حياتك ولا تحل لحظة من لحظات الحياة عن هذه
العبادة"
أما اليقين فهو المقطوع به الذي لا شك فيه وهو النصر
الذي وعده الله به كما يفسره الشيخ ابن عاشور.
وللعبادة مراتب ثلاث على رأي الإمام الرازي: إما الطمع في الثواب، أو
التشرف بعبادته والانتساب إليه و لكونه إلها يتوجب عبادته، يقول علي عزة بيجوفيتش:"إن طاعة الله تستبعد طاعة البشر والخضوع لهم.إنها صلة جديدة بين
الإنسان وبين الله، ثم بين الإنسان والإنسان. إنها أيضا حرية يكتسبها الإنسان
بمواصلته الإيمان بقدره"ه[25]"
لقد عالج القرآن الكريم بالتالي كل مشكلات الفرد التي
تجعله ينزلق نحو الخضوع للآخر والتسليم في حريته لغيره، وهو ما تبينه الآية
التالية: " قُلْ مَن يَرْزُقُكُم
مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن
يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ"[26]
فكل خضوع للآخر إنما هو فقدان
للحرية واسترقاق بأشكال مختلفة: اقتصادية وثقافية ومجتمعية و قيمية. لقد بين
الإسلام للإنسان مسالك رزقه و سبل نجاحه الدنيوي و الأخروي وكل ابتعاد عن تلك
المسالك تبعده عن الحرية و تنتج عنها سلطة فوقية غاصبة مستعمرة، تتغير بتغير
الواقع والحال، يمكن أن تكون سلطة استبدادية أو سلطة مالية أو سلطة فكرية أو سلطة
عرقية.
2. القيم تجاه الإنسان
Ø
التراحم:
يعتبر الفيسلوف المغربي طه عبد الرحمان : أن أسماء الله الحسنى هي "خزائن
القيم التي بها قوام تخلق الإنسان"[27]
والرحمة مشتقة من الرحمان الرحيم.
﴿قُل لِّمَن
مَّا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل
لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَیَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ یَوۡمِ
ٱلۡقِیَـٰمَةِ لَا رَیۡبَ فِیهِۚ ٱلَّذِینَ خَسِرُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا
یُؤۡمِنُونَ﴾ الأنعام 12
﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ صادِحَةٌ بِشُمُولِ
رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِجَمِيعِ الخُلُقِ[28]
وفي الحديث "أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ كِتابًا
بِيَدِهِ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ والأرْضَ فَوَضَعَهُ تَحْتَ
عَرْشِهِ فِيهِ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"
3. القيم تجاه الكون
Ø المسؤولية: الإنسان هو الكائن الوحيد الذي استطاع بما
أودعه الله فيه من تنفيذ مراد الله من تعمنير في الكون والتصرف فيه "خلق لكم ما في الأرض جميعا"
من الآيات الكريمة
التي بينت التقنيات في التعامل مع الكون قوله تعالى في سورة العنكبوت: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ
الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"[29] . وقد بيّن سبحانه منهجية هذا النظر في الكون من
خلال"السير في الأرض" باعتباره من التقنيات العلمية الناجعة التي تمكن
الباحث من تحويل فرضياته التجريبية إلى حقائق يقينية.
يقول ابن عاشور في بيان معنى
السير: "فالسير في الأرض وسيلة
جامعة لمختلف الدلائل فلذلك كان الأمر به لهذا الغرض من جوامع الحكمة"[30]
وهذه الآية العظيمة لا تدعونا
إلى النظر في كيفية خلق الإنسان فقط بل تستبطن الدعوة لمعرفة كيف خلق الله سبحانه
هذا الكون و أتقنه"فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[31]
إن اليقين الأول الذي يهتدي
إليه العقل الإنساني عند بحثه في الوجود هو (الله) الذي يدير هذا الكون باعتباره
"رب العالمين" حيث أنه خلق العوالم كلها بقدرته الكاملة و حكم المخلوقات
جميعها برحمته اللامتناهية ، يقول تعالى: "الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ"[32].
[1] جمهرة اللغة المؤلف: أبو بكر
محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت ٣٢١هـ) المحقق: رمزي منير بعلبكي الناشر:
دار العلم للملايين – بيروت الطبعة: الأولى، ١٩٨٧م، ج02، ص989
[2] لسان العرب المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور
الأنصاري الرويفعى الإفريقى (ت ٧١١هـ) الناشر: دار صادر – بيروت الطبعة:
الثالثة - ١٤١٤ هـ، ج12/ص 502
[3] م.ن
[4] جمهرة
اللغة: ج1/ص618
[5] محمد الحبيب ابن الخوجة: مقدمة
كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ١٤٢٥ هـ -
٢٠٠٤ م، ص125
[6] الجراري، عباس:
مفهوم القيم وفلسفتها وإشكالية الواقع والمثال في منظور الإسلام، مطبوعات أكاديمية
المملكة المغربية، 2002، ص125.
[7] أحمد زكي بدوي: معجم العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان،
بيروت، ص439
[8] كمال التابعي: مقدمة في علم اجتماع المعرفة،
الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، القاهرة، 2007، ص29
[9] طه عبد الرحمان: دين الحياء، من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني، كتاب
أصول النظر الائتماني، المؤسسة العربية للفكر والإبداع،بيروت 2017، ص72
[10] أبو حامد الغزالي:إحياء علوم الدين، دار
المعرفة ، بيروت، ج03، ص53.
[11] قوة
العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين الصدق والكذب في
الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الجميل والقبيح في الأفعال
قوة الغضب فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على حد
ما تقتضيه الحكمة
الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة أعني
إشارة العقل والشرع
قوة العدل هي القدرة ومثالها مثال المنفذ الممضي لإشارة
العقل
[12] الغزالي: م.ن، ج03/ص54
[13] محمد
علي طه الدرة: تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، دار ابن كثير – دمشق،الطبعة الأولى،
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م، ج10/ص73
[14] نظام الدين النيسابوري: غراب القرآن ورغائب
الفرقان، تحقيق زكريا عميرات، يروتـ، دار الكتب العلمية، ص
[15] محمد
الحبيب ابن الخوجة: مقدمة كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية، ص125
[16] سلمى عبيد محمد: ظاهرة تعاطي المخدرات وآثارها السلبية على الفرد والمجتمع وسبل الوقاية منها،
مجلة إشراقات تنموية، العدد 35، ص735
[17] م.ن
[18] مدرسة أبيقور 341ق.م/270ق.م، وهو فيلسوق
إغريقي أسس مدرسته حديقة ابيقور، يرى الأخلاق محور الفلسفة.
[19] آمال غرابي، فلسفة السعادة عند برترند راسل، مذكرة مقدمة
لنيل درجة الماجستير في الفلسفة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة محمد
بوضياف بالجزائر، ص11
[20] عبد الرحمان
بدوي: الموسوعة الفلسفية، ص84
[21] ابن رشد: تلخيص الخطابة، حققه عبد الرحمان
بدوي، دار القلم، ص198
[22] روجي غاروي: في سبيل حوار حضارات، تعريب عادل
العوّا، عويدات للنشر، ص29
[23] عبد الرحمان بدوي: ص512.
[24] المسيري، عبد الوهاب: الفلسفة الماديّة وتفكيك
الإنسان، ص57.
[25] بيجوفيتش(علي عزة): الإسلام بين الشرق
والغرب، ترجمة محمد يوسف عدس، نشر مجلة النور الكويتية و مؤسسة بافاريا للنشر، ط1،
سنة 1414هـ/1994م، ص396.
[26] سورة يونس، الآية 31.
[27] طه عبد الرحمان: دين الحياء، ص72
[28] تفسير
الآلوسي — الآلوسي
[29] سورة العنكبوت، الآية20.
[30] ابن عاشور(محمد الطاهر): تفسير التحرير والتنوير، الدار
التونسية للنشر،تونس، 1984م، ج20/ص230.
[31] سورة المؤمنون، الآية14.
[32] سورة طه، الآية05.

0 commentaires:
Enregistrer un commentaire