رسالة الحكمة

العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى و لم يؤمن بها.

الوحي والخيال: قراءة فلسفية في تلقي الخطاب النبوي


ظلّ الوحي، عبر التاريخ الديني والفلسفي، من أكثر المفاهيم إثارة للإشكال والتأويل، لا بسبب التشكيك في مصدره فحسب، بل بسبب الغموض الذي يكتنف كيفية تلقيه وتمثّله في الوعي الإنساني. فالسؤال عن الوحي لا يتوقف عند كونه خطابًا إلهيًا متعاليًا، بل يمتدّ إلى الكيفية التي يُدرك بها هذا الخطاب، ويتحوّل إلى لغة، وصور، وألفاظ، ومعانٍ قابلة للفهم والتبليغ. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم **الخيال** بوصفه أحد أكثر المفاهيم إثارة للحذر، إذ غالبًا ما يُستبعد من التفكير في الوحي خشية الوقوع في اختزال التجربة النبوية إلى بعد نفسي أو ذاتي. غير أنّ الفلسفة، بخلاف هذا الحذر، ترى في الخيال قوة معرفية وسيطة، لا يمكن تجاهلها في فهم التجربة الدينية عمومًا، والتجربة النبوية خصوصًا.

لقد تشكّل الفهم اللاهوتي التقليدي للوحي في إطار تصوّر يركّز على البعد التعالي والموضوعي للخطاب الإلهي، حيث يُنظر إلى الوحي بوصفه إملاءً مباشرًا، منزّهًا عن أي مشاركة بشرية سوى التلقي السلبي. وقد أدّى هذا التصور، رغم ما له من وظيفة عقدية واضحة، إلى إغلاق باب التساؤل حول آليات الإدراك والتلقي، وكأنّ السؤال عن الكيفية يمسّ من قدسية المصدر. في المقابل، انزلقت بعض القراءات الحديثة، خاصة ذات الطابع النفسي أو التاريخاني، إلى الجهة النقيضة، فاختزلت الوحي في بنية نفسية أو خيال فردي، مما أفقده طابعه المتعالي. وبين هذين الطرفين، تسعى القراءة الفلسفية إلى فتح أفق ثالث، لا ينفي قدسية الوحي، ولا يلغي في الوقت ذاته البنية الإنسانية التي يتمّ عبرها تلقي الخطاب النبوي.

من هذا المنطلق، لا يُطرح الخيال هنا بوصفه بديلًا عن الوحي، ولا مصدرًا له، بل باعتباره **أداة إدراك وتأويل**، تمكّن الذات النبوية من استقبال المعنى المتعالي وصياغته في صور لغوية ورمزية. فالخطاب الإلهي، إذا كان متعاليًا عن الحسّ واللغة، لا بدّ له من المرور عبر وسائط إنسانية كي يصبح قابلًا للفهم والتبليغ. وهذه الوسائط لا يمكن اختزالها في الحسّ وحده، ولا في العقل المجرّد، بل تتطلّب قوة وسيطة قادرة على تحويل المعنى إلى صورة، والصورة إلى خطاب، وهذه هي وظيفة الخيال.

وقد أولى الفلاسفة المسلمون، ولا سيما الفارابي وابن سينا، عناية خاصة بهذه المسألة، حين سعوا إلى تقديم تفسير فلسفي للنبوة، لا ينفي بعدها الإلهي، بل يفسّر آلية تحققها في النفس الإنسانية. فالنبوة، في تصورهم، ليست حالة خارقة للطبيعة الإنسانية، بل كمالٌ مخصوص لقوى النفس، وعلى رأسها القوة المتخيلة. فالخيال، عندهم، ليس مجالًا للوهم أو التخييل الحر، بل قوة معرفية قادرة على تلقي المعاني العقلية وصياغتها في صور حسية أو لغوية. وبهذا المعنى، يتميّز النبي عن غيره بصفاء هذه القوة وقدرتها الاستثنائية على التلقي من العقل الفعّال، دون تشويش أو تحريف.

إنّ هذا التصور يتيح فهمًا أعمق لطبيعة الخطاب النبوي، الذي لا يأتي في صورة مفاهيم عقلية مجردة، بل في شكل قصص، وأمثال، وتشبيهات، وصور رمزية. فاللغة الدينية، بطبيعتها، لغة إيحائية ورمزية، تستهدف مخاطبة الجماعة الإنسانية بمستوياتها المختلفة، لا النخبة الفلسفية وحدها. ومن هنا، فإن الخيال لا يؤدي دورًا ثانويًا في الوحي، بل يشكّل شرطًا لإمكان التبليغ ذاته. فالمعنى المتعالي، إن لم يُصغ في صورة قابلة للتخيّل، ظلّ حبيس التجريد، غير قادر على التأثير في التاريخ والمجتمع.

غير أنّ إدماج الخيال في تحليل تلقي الوحي يثير إشكالًا مشروعًا، يتمثّل في الخوف من نزع القداسة عن الخطاب الإلهي، أو اختزاله في بنية نفسية. وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين **الخيال كمصدر** و**الخيال كوسيط**. فالخيال، في القراءة الفلسفية الرصينة، ليس منشئًا للوحي، بل قناة إدراكه وتمثّله. فالمصدر يظلّ متعاليًا، بينما تبقى عملية التلقي خاضعة لبنية الإنسان وحدوده. وهذا التمييز يسمح بالحفاظ على التوازن بين الإيمان بقدسية الوحي، والاعتراف بالطابع الإنساني لتجربة التلقي.

إنّ فهم الوحي بهذه الطريقة يفتح أفقًا جديدًا لفلسفة الدين، إذ يحرّر الخطاب الديني من الجمود الحرفي، دون أن يسقطه في relativism تأويلي مفرط. كما يسمح بإعادة التفكير في علاقة النص بسياقه، وفي الطابع التاريخي للخطاب النبوي، دون المساس بجوهره القيمي والمعنوي. فالخيال، في هذا السياق، لا يُلغِي الحقيقة، بل يمنحها شكلها الإنساني الممكن.

وخلاصة القول، إنّ القراءة الفلسفية للعلاقة بين الوحي والخيال لا تهدف إلى إعادة تفسير الوحي تفسيرًا اختزاليًا، بل إلى تعميق فهمه بوصفه تجربة تواصلية مركّبة، يتداخل فيها المتعالي والإنساني، المعنى والصورة، العقل والخيال. وهي قراءة تتيح تجديد التفكير في النبوة والخطاب الديني، وتفتح إمكانات جديدة للحوار بين العقل والإيمان، وبين التراث الديني وفلسفة الدين المعاصرة.

النبوة بين التجربة الدينية والوظيفة الاجتماعية

شاركه على جوجل بلس

عن منتصر بوعجيلة

باحث في الدراسات الدينية المقارنة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire