كيف وُجِدت الصلة بين التفسير والفلسفة؟
فى إبَّان شوكة المِلَّة الإسلامية تُرجِمَت كتب الفلسفة من اللُّغات المختلفة إلى اللُغة العربية، ويرجع الفضل الأكبر فى هذا العمل إلى العباسيين وحدهم، إذ أنهم نظموا الترجمة الإسلامية وشجعوها.
بدأ المنصور هذه الحركة المباركة، وتعهدها أبناؤه وأحفاده من بعده، وبلغ بها المأمون - خاصة - القمة، وأضحت بغداد كعبة علمية يحج إليها الطُلاب من كل مكان.
ولكى يحقق العباسيون غايتهم استخدموا طائفة من الفُرس والهنود والصابئة والمسيحيين، الذين كانوا على اتصال وثيق بالدراسات القديمة، فنقلوا إلى اللُّغة العربية كتب فلاسفة اليونان، والهند، والفُرس، وغيرهم، ثم أُذيعت هذه الكتب بين المسلمين، فقرأوها قراءة النَهِم المتعطش لهذا النوع من العلم الذى لم يكن لهم به عهد من قبل.
قرأ بعض المسلمين هذه الكتب الفلسفية، فلم يرقهم أكثر ما فيها من نظريات وأبحاث، لأنهم وجدوها تتعارض مع الدين، ولا تتفق معه بحال من الأحوال، فكرَّسوا حياتهم للرد عليها، وتنفير الناس منها، وكان على رأس هؤلاء: الغزالى، والفخر الرازى، الذى تعرَّض فى تفسيره لنظريات الفلاسفة التى تبدو فى نظره متعارضة مع الدين، ومع القرآن على الأخص، فردَّها وأبطلها بمقدار ما أسعفته الحُجَّة، وانقاد له الدليل.
وقرأ بعض المسلمين هذه الكتب فأعجبوا بها إلى حد كبير، رغم ما فيها من نظريات تبدو متعارضة مع نصوص الشرع القويم، وتعاليمه التى لا يلحقها الشك، ولا تحوم حولها الشبهة.. نعم أعجبوا بها رغم هذا، لأنهم وجدوا أن فى مقدورهم أن يوافقوا بين الحكمة والعقيدة، أو بين الفلسفة والدين، وان يبينوا للناس أن الوحى لا يناقض العقل فى شىء، وأن العقيدة إذا استنارت بضوء الحكمة تمكنت من النفوس، وثبتت أمام الخصوم.. رأوا أن هذا فى مقدورهم، فبذلوا كل ما يستطيعون من حلول ليصلوا الفلسفة بالدين، ويؤاخوا بينهما، حتى يصبح الدين فلسفة، والفلسفة ديناً، وفعلاً وصل فلاسفة المسلمين إلى هذا التوفيق، ولكنه توفيق إن أرضى بعض المسلمين فقد أغضب الكثير منهم، ذلك لأنهم لم يصلوا فى توفيقهم إلا إلى حلول وسطى، صوَّروا فيها التعاليم الدينية تصويراً يبعد كثيراً عن الصور الثابتة المأثورة، ومثل هذه الحلول لا تصلح للتوفيق بين جانبين متقابلين وطرفين متنافرين، ولذلك لم يجد الغزالى ومَن لَفَّ لفه صعوبة فى الرد على هؤلاء الفلاسفة الموفقين، وإبطال محاولاتهم، التى ظنوا أنهم أرضوا بها رجال الدين الواقفين عند حدوده وتعاليمه.
كيف كان التوفيق بين الدين والفلسفة
ثم إن الفلاسفة الموفقين بين الدين والفلسفة، كانت لهم طريقتان يسيرون عليهما فى توفيقهم.
أما الطريقة الأولى: فهى طريقة التأويل للنصوص الدينية والحقائق الشرعية، بما يتفق مع الآراء الفلسفية، ومعنى هذا إخضاع تلك النصوص والحقائق إلى هذه الآراء حتى تسايرهم وتتمشى معها.
وأما الطريقة الثانية: فهى شرح النصوص الدينية والحقائق الشرعية بالآراء والنظريات الفلسفية، ومعنى هذا أن تطغى الفلسفة على الدين وتتحكم فى نصوصه، وهذه الطريقة أخطر من الأولى، وأكثر شراً منها على الدين.
الأثر الفلسفى فى تفسير القرآن الكريم
مما تقدم يتضح لك أن علماء المسلمين لم يكونوا جميعاً على مبدأ واحد بالنسبة للآراء الفلسفية، بل وُجِد منهم مَن وقف منها موقف الرفض وعدم القبول، كما وُجِد منهم مَن وقف موقف الدفاع عنها والقبول لها، وكان من هؤلاء وهؤلاء أثر ظاهر فى تفسير القرآن الكريم.
أما الفريق المعاند للفلسفة.. فإنه لما فسِّر القرآن اصطدام بهذه النظريات الفلسفية، فرأى من واجبه كمفسِّر أن يعرض لهذه النظريات ويمزجها بالتفسير. إما على طريق الدفاع عنها وبيان أنها لا تتعارض مع نصوص القرآن، وذلك بالنسبة للنظريات الصحيحة عنده والمسلَّمة لديه، وإما على طريق الرد عليها، وبيان أنها لا يمكن أن تساير نصوص القرآن، وذلك بالنسبة للنظريات التى لا يُسلِّمها ولا يقول بها.
وهو فى الحالة الأولى يشرح القرآن على ما يوافق هذه النظريات التى لا يراها متعارضة مع الدين، وفى الحالة الثانية لا يمشى على ضوء النظريات الفلسفية فى تفسيره، بل يُفسِّر النصوص على ضوء الدين والعقل وحدهما، دون أن يكون للرأى الفلسفى دخل فى شرح النص القرآنى وبيان معناه، وممن فعل هذا فى تفسيره الإمام فخر الدين الرازى، ودونك التفسير فسترى فيه ما ذكرته.
وأما الفريق المسالم للفلسفة، المصدِّق بكل ما فيها من نظريات وآراء، فإنه لما فسَّر بالقرآن سلك طريقاً كله شر وضلال، إذ أنه وضع الآراء الفلسفية أمام عينيه، ثم نظر من خلالها إلى القرآن. فشرح نصوصه على حسب ما تمليه عليه نزعته الفلسفية المجرَّدة من كل شىء إلا من التعصب الفلسفى..
وأخيراً وجدنا أنفسنا أمام شروح لبعض آيات القرآن، هى فى الحقيقة شروح لبعض النظريات الفلسفية، قُصِدَ بها تدعيم الفلسفة وخدمتها على حساب القرآن الكريم، الذى هو أصل الدين ومنبع تعاليمه.
من تفسير الفارابى
فمن هذه الروح التى طغت عليها الفلسفة، ما تجده للفارابى المتوفى سنة 339 هـ (تسع وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة) فى كتابه "فصوص الحكم"، من تفسيره لبعض الآيات والحقائق التى جاء بها القرآن. تفسيراً فلسفياً بحتاً، فمن ذلك أنه يُفسِّر الأوَّلية والآخرية الواردة فى قوله تعالى فى الآية [3] من سورة الحديد: {هُوَ الأول والآخر} تفسيراً أفلوطونياً مبنياً على القول بِقدَم العالَم فيقول: إنه " الأول من جهة أنه منه ويصدر عنه كل موجود لغيره، وهو أول من جهة أنه بالوجود لغاية قُربه منه، أول من جهة أنَّ كان زمانى يُنسب إليه بكون، فقد وُجِدَ زمان لم يوجد معه ذلك الشىء، ووُجِدَ إذ وُجِدَ معه لا فيه. هو أول، لأنه إذا اعتبر كل شىء كان فيه أولا أثره، وثانياً قبوله لا بالزمان. هو الآخر، لأن الأشياء إذا لوحظت ونُسِبَتْ إليه أسبابها ومباديها وقف عنده المنسوب، فهو آخر لأنه الغاية الحقيقية فى كل طلب، فالغاية مثل السعادة فى قولك: لِمَ شربت الماء؟ فتقول: لتغيير المزاج، فيقال: ولِمَ أردت أن يتغير المزاج؟ فتقول: للصحة، فيقال: لِمَ طلبت الصحة؟ فتقول: للسعادة والخير، ثم لا يورد عليه سؤال يجب أن يُجاب عنه، لأن السعادة والخير تُطلب لذاته لا لغيره.. فهو المعشوق الأولى، فلذلك هو آخر كل غاية، أول فى الفكرة آخر فى الحصول، هو آخر من جهة أن كل زمان يتأخر عنه، ولا يوجد زمان متأخر عن الحق.. ".
ويشرح الظاهر والباطن الوارد فى قوله تعالى فى الآية [3] من سورة الحديد أيضاً {.. والظاهر والباطن} .. فيقول: "لا وجود أكمل من وجوده، فلا خفاء فيه من نقص الوجود، فهو فى ذاته ظاهر، ولشدة ظهوره باطن، وبه يظهر كل ظاهر كالشمس تُظهر كل خفى وتستبطن لا عن خفاء".
كما يشرح هذه الجملة مرة أخرى فيقول: "هو باطن لأنه شديد الظهور، غلب ظهوره على الإدراك فخفى، وهو ظاهر من حيث أن الآثار تُنسب إلى صفاته، وتجب عن ذاته فتصدق بها"
ويُفسِّر الوحى بقوله: "والوحى لوح من مراد المَلَك للروح الإنسانية بلا واسطة، وذلك هو الكلام الحقيقى، فإن الكلام إنما يُراد به تصوير ما يتضمنه باطن المخاطِب فى باطن المخاطَب ليصير مثله، فإذا عجز المخاطِب عن مس باطن المخاطَب بباطنه مس الخاتم الشمع فيجعله مثل نفسه، اتخذ فيما بين الباطنين سفيراً من الظاهرين، فتكلم بالصوت أو كتب أو أشار. وإذا كان المخاطَب لا حجاب بينه وبين الروح اطلع عليه اطلاع الشمس على الماء الصافى فانتقش منه، لكن المنتقش فى الروح من شأنه أن يسيح إلى الحسن الباطن إذا كان قوياً، فينطبع فى القوة المذكورة فيُشاهَد، فيكون الموحى إليه يتصل بالمَلَك باطنه، ويتلقى وحيه الكلى بباطنه".
كما يشرح الملائكة بأنها "صورة علمية، جواهرها علوم إبداعية قائمة بذواتها، لتحظ الأمر الأعلى فينطبع فى هويتها ما تلحظ، وهى مطلقة، لكن الروح القدسية تخاطبها فى اليقظة، والروح البَشرية تعاشرها فى النوم".
من تفسير إخوان الصفا
ومن الشروح الفلسفية للقرآن أيضاً ما نجده فى رسائل إخوان الصفا، الذين لا زلنا نجهل الكثير عن تاريخ نشأتهم وتكوينهم، والذين كانوا يمتون فى أغلب الظن بصلة إلى الباطنية الإسماعيلية.
فمن ذلك أنهم يشرحون الجنَّة والنار، بما يُفهم منه أن الجنَّة هى عالَم الأفلاك، وأن النار هى عالَم ما تحت فلك القمر، وهو عالَم الدنيا، ففى حديثهم عن تجرد النفس واشتياقها إلى عالَم الأفلاك، يقررون أنه لا يمكن الصعود إلى ما هناك بهذا الجسد الثقيل الكثيف، ويقولون: "إن النفس إذا فارقت هذه الجنَّة، ولم يعقها شىء من سوء أفعالها، أو فساد آرائها، وتراكم جهالاتها أو رداءة أخلاقها، فهى هناك فى عالَم الفلك فى أقل من طرفة عين بلا زمان، لأن كونها حيث همتها أو محبوبها كما تكون نفس العاشق حيث معشوقه، فإذا كان عشقها هو الكون مع هذا الجسد، ومعشوقها هو الملذات المحسوسة المموهة الجرمانية، وشهواتها هذه الزينات الجسمانية، فهى لا تبرح من ههنا ولا تشتاق الصعود إلى عالَم الأفلاك، ولا تُفتح لها أبواب السماء ولا تدل الجنَّة مع زمرة الملائكة، بل تبقى تحت فلك القمر، سائحة فى قعر هذه الأجسام المستحيلة المتضادة، تارة من الكون إلى الفساد، وتارة من الفساد إلى الكون: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب} فى الآية [56] من سورة النساء، {لَاّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} - الآية [23] من سورة النبأ - ما دامت السموات والأرض، لا يذوقون فيها برد عالَم الأرواح الذى هو الروح والريحان، ولا يجدون لذة شراب الجنان المذكور فى القرآن: {ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين} - الآية [50] من سورة الأعراف - الظالمين لأنفسهم.. ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الجنَّة فى السماء، والنار فى الأرض".
ومن ذلك أنهم يُفسِّرون الملائكة بأنها كواكب الأفلاك فيقولون: "إن كواكب الفلك هم ملائكة الله وملوك سمواته.. خلقهم الله تعالى لعمارة عالمه، وتدبير خلائقه، وسياسة بريته، وهم خلفاء الله فى أفلاكه، كما أن ملوك الأرض هم خلفاء الله فى أرضه".
كذلك يرى إخوان الصفا "أن نفس المؤمن بعد مفارقة جسدها تصعد إلى ملكوت السماء وتدخل فى زمرة الملائكة، وتحيا بروح القدس، وتسبح فى فضاء الأفلاك. فى فسحة السموات، فرحة، مسرورة، منعمة، متلذذة، مكرَّمة، مغتبطة"، ويقولون إن ذلك هو معنى قول الله عز وجل فى الآية العاشرة من سورة فاطر: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ} .
كذلك يشرح إخوان الصفا الشياطين شرحاً فلسفياً بحتاً لا يتفق مع ما جاء به الدين فيقولون: "إن الله أشار إلى النفوس ووساوسها بقوله - فى الآية [112] من سورة الأنعام: {شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً} فشياطين الجن هى النفوس المفارقة الشريرة التى قد استجنت عن إدراك الحواس. وشياطين الإنس هى النفوس المتجسدة المستأنسة بالأجساد".
ثم يقولون: "أمثال هذه النفوس التى ذكرناها - يعنون النفوس الخبيثة - هى شياطين بالقوة، فإذا فارقت أجسادها كانت شياطين بالفعل".
كما يفهمون أن تسمية الله الشهداء فى قوله فى الآية [69] من سورة النساء: {فأولائك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وَحَسُنَ أولائك رَفِيقاً} بهذا الاسم إنما هو لشهادتهم تلك الأمور الروحانية المفارقة للهيولى، ويعنون بها جنَّة الدنيا ونعيمها.
ثم إن إخوان الصفا يعتقدون أن القرآن ما هو إلا رموز للحقائق البعيدة عن أذهان العامة، ويقولون: إن النبى صلى الله عليه وسلم يُخبر خواص أُمته بما جاء به واعتقده بالتصريح فى السر والعلن، غير مرموز ولا مكتوم، ثم يشير إليها، ويرمز عنها عند العوام بالألفاظ المشتركة، والمعانى المحتملة للتأويل بما يعقلها الجمهور، وتقبلها نفوسهم وغير خاف أن هذا هو عين مذهب الباطنية القائل بأن ظواهر القرآن غير مرادة.
هذه بعض شروح الفلاسفة من المسلمين لآيات القرآن الكريم، وهى كما ترى شروح تقوم على نظريات فلسفية بحتة، لا يمكن أن يتحملها النص القرآنى بحال من الأحوال.
هذا.. ولم نسمع أن فيلسوفاً من هؤلاء الفلاسفة الذين تحكَّمت الفلسفة فى عقولهم، ألَّف لنا تفسيراً كاملاً للقرآن الكريم، وكل ما وجدناه لهم فى ذلك لا يعدو بعض أفهام قرآنية متفرَّقة فى كتبهم التى ألَّفوها فى الفلسفة. وأكثر مَن وجدنا له أثراً فى التفسير من هؤلاء الفلاسفة هو الرئيس أبو علىّ ابن سينا، إذ قد عُثِر له على تفسير قوله تعالى فى الآية [35] من سورة النور: {الله نُورُ السماوات} … الآية وعلى تفسير سورة الإخلاص، والمعوذتين وبعض آيات أخرى، ولهذا سأعتبر ابن سينا الشخصية الأولى التى كان لها أكبر أثر فى التفسير الفلسفى، فأذكر نُبْذة عن حياته، ثم أعرض لمسلكه فى التفسير فأقول:
ترجمة ابن سينا
هو الرئيس أبو علىّ الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علىّ بن سينا. كان أبوه من أهل بلخ، ثم انتقل إلى بخارى، وفى قرية من قراها وُلِد له أبو علىّ ابن سينا سنة 370 هـ (سبعين وثلاثمائة من الهجرة) . ثم انتقل مع أهله إلى بخارى، ثم طوّف أبو علىّ بعد ذلك فى البلاد، واشتغل بالعلوم، وحصَّل كثيراً من الفنون. حفظ القرآن وله من العمر عشر سنين، وأتقن الأدب، وحفظ أشياء من أُصول الدين، والحساب والجبر، ثم تعلَّم المنطق على أبى عبد الله الناتلى، وفاقه، ثم اشتغل بالعلوم الطبيعية والإلهية، ثم رغب فى علم الطب فقرأ الكتب المؤلَّفة فيه، حتى أصبح بارعاً لا يعدله أحد فيه. كل هذا ولم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، ثم لم تأت عليه سن الثامنة عشرة إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم التى عاناها، مما يدل على ذكائه الخارق وذهنه الثاقب. أما تصانيفه فكثيرة، تقارب المائة مصنَّف، ومن أهمها: كتاب الشفاء فى الحكمة، والنجاة، والإشارات، والقانون، وغير ذلك من كتبه القيمة، التى انتفع الناس بها كثيراً.
ولقد جمع أبو علىّ ابن سينا إلى شهرته العلمية شهرة أخرى سياسية، إذ أنه كان يتقلد مع والده الأعمال للسلطان، ولما اضطربت أُمور الدولة أُخرج أبو علىّ من بخارى، وطوَّف ببلاد كثيرة حتى وصل إلى همدان، وهناك تقلَّد الوزارة لشمس الدولة. ثم ثار الجند عليه، وأغاروا على داره، ونهبوها، وقبضوا عليه، وسألوا شمس الدولة قتله فامتنع، ثم أُطلق فتوارى، ثم أعاده شمس الدولة وزيراً بعد ذلك، ولما مات شمس الدولة توجَّه إلى أصبهان، ثم أدركه مرض شديد مات على أثره، وكانت وفاته بهمدان سنة 428 هـ (ثمان وعشرين وأربعمائة من الهجرة) ، ودفن بها، فرحمه الله.
مسلك ابن سينا فى التفسير
ابن سينا كمسلم يدين بالقرآن، وفيلسوف محب للفلسفة حريص على سلامة ما فيها من آراء، كان حريصاً كل الحرص على أن يوفق بين الدين والفلسفة، حتى يُرضى ناحيته الدينية والفلسفية. وكان طبيعياً - والقرآن هو الدعامة الأولى من دعائم الإسلام - أن يوفق ابن سينا بين نصوص القرآن والنظريات الفلسفية التى تبدو معارضة لها، وفعلاً قام بهذه العملية التى كانت - فيما أعتقد - شراً على الدين، وإبطالاً لحقائق القرآن الصريحة الثابتة.
نظر ابن سينا إلى القرآن، ونظر إلى الفلسفة، فحكَّم النظريات الفلسفية فى النصوص القرآنية، فشرحها شرحاً فلسفياً بحتاً، وكانت طريقته التى يسلكها فى شرحه غالباً هى شرح الحقائق الدينية بالآراء الفلسفية، وذلك لأنه كان يعتقد أن القرآن ما هو إلا رموز رمز بها النبى صلى الله عليه وسلم لحقائق تدق على أفهام العامة، عجزت أفهامهم عن إدراكها، فرمز إليها النبى بما يمكنهم أن يدركوه، وأخفى عنهم ما يعجز عن إدراكه عامة الناس إلا الخواص منهم، وهو يقول: "إن المشترط على النبى أن يكون كلامه رمزاً، وألفاظه إيماءً، وكما يذكر أفلاطون فى كتاب النواميس: إنَّ مَن لم يقف على معانى رموز الرسل لم ينل الملكوت الإلهى، وكذلك أجِلَّة فلاسفة يونان وأنبياؤهم كانوا يستعملون فى كتبهم الرموز والإشارات، التى حشوا فيها أسرارهم، كفيثاغورس وسقراط وأفلاطون.. وما كان يمكن النبى محمداً صلى الله عليه وسلم أن يوقف على العلم أعرابياً جافياً، ولا سيما البَشر كلهم، إذ كان مبعوثاً إليهم كلهم".
وعلى هذا الأساس نظر ابن سينا إلى نصوص القرآن كرموز لا يعرف حقيقتها إلا الخواص أمثاله، ففسَّرها تفسيراً حكَّم فيه ما لديه من نظريات فلسفية، فكان فى عمله هذا فاشلاً، وبعيداً عن حقيقة الدين، وروح القرآن الكريم.
وإليك بعض ما قاله ابن سينا فى بعض نصوص القرآن الكريم، لتقف على مقدار تهافته، وبُعْده عن حقائق القرآن الثابتة:
عرض ابن سينا لشرح قوله تعالى فى الآية [17] من سورة الحاقة: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} .. ففسَّر العرش بأنه الفلك التاسع الذى هو فلك الأفلاك، وفسَّر الملائكة الثمانية التى تحمل العرش بأنها الأفلاك الثمانية التى تحت الفلك التاسع. وإليك عبارته بنصها:
قال: "وأما ما بلَّغ النبى صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل من قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} "فنقول: إن الكلام المستفيض فى استواء الله تعالى على العرش من أوضاعه: أن العرش نهاية الموجودات المبدعة الجسمانية، وتدَّعى المشبهة من المتشرعين أن الله تعالى على العرش لا على سبيل حلول. هذا، وأما فى كلام الفلسفى فإنهم جعلوا نهاية الموجودات الجسمانية الفلك التاسع الذى هو فلك الأفلاك، ويذكرون أن الله تعالى هناك، وعليه لا على حلول، كما بيَّن أرسطو فى آخر كتاب سماع الكيان. والحكماء المتشرعون أجمعوا على أن المعنَّى بالعرش هو هذا الجُرْم. هذا.. وقد قالوا: إن الفلك يتحرك بالنفس، لأن الحركات إما ذاتية وإما غير ذاتية. والذاتية إما طبيعية، وإما نفسية، ثم بيَّنوا أن نفسها هو الناطق الكامل الفعَّال، ثم بيَّنوا أن الأفلاك لا تفنى ولا تتغير أبد الدهر، وقد ذاع فى الشرعيان أن الملائكة أحياء قطعاً، لا يموتون كالإنسان الذى يموت، فإذا قيل إن الأفلاك أحياء ناطقة لا تموت، والحى الناطق الغير الميت يسمى مَلَكاً، فالأفلاك تُسمى ملائكة. فإذا تقدم هذه المقدمات وضح أن العرش محمول على ثمانية، ووضح تفسير المفسِّرين أنها ثمانية أفلاك. والحمل يقال على وجهين: حمل بَشرى، وهو أولى باسم الحمل كالحجر المحمول على ظهر الإنسان، وحمل طبيعى كقولنا: الماء محمول على الأرض، والنار على الهواء. والمعنى هنا الحمل الطبيعى لا الأول. وقوله: يومئذ، والساعة، والقيامة، فالمراد بها ما ذكره الشارع: أن مَن مات قامت قيامته. ولما كان تحقيق النفس الإنسانية عند المفارقة آكد جعل الوعد والوعيد، وأشباههما إلى ذلك الوقت".
كذلك نجد ابن سينا يُفسِّر الجنَّة والنار والصراط تفسيراً فلسفياً بعيداً عن المأثور الثابت الصحيح، فيقسم العوالم إلى ثلاثة أقسام: عالَم حِسِّى، وعالَم خيالى وهمى، وعالَم عقلى، والعالَم العقلى عنده هو الجنَّة، والعالَم الخيالى هو النار، والعالَم الحِسِّى هو عالَم القبور. أما الصراط فيقول فى شرحه: "اعلم أن العقل يحتاج فى تصور أكثر الكليات إلى استقراء الجزئيات، فلا محالة أنها تحتاج إلى الحس الظاهر، فتعلم أنه يأخذ من الحس الظاهر إلى الخيال إلى الوهم، وهذا هو من الجحيم طريق وصراط دقيق صعب حتى يبلغ ذاته العقل، فهو إذن يرى كيف الحد صراطاً وطريقاً فى عالَم الجحيم، فإن جاوزه بلغ عالَم العقل، فإن وقف فيه وتخيل الوهم عقلاً، وما يشير إليه حقاً، فقد وقف على الجحيم، وسكن فى جهنم، وهلك وخسر خسراناً مبيناً".
كذلك يُفسِّر ابن سينا قوله تعالى فى الآية [30] من سورة المدثر: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} تفسيراً فلسفياً بعيداً عن هدف القرآن، فيقرر أن النفس الحيوانية هى الباقية الدائمة فى جهنم، وهى منقسمة إلى قسمين: إدراكية، وعملية. والعملية: شوقية، وغضبية، والعلمية: هى تصورات الخيال المحسوسات بالحواس الظاهرة، وتلك المحسوسات ستة عشر، والقوة الوهمية الحاكمة على تلك الصور حكماً غير واجب واحدة - ذاتيان، وستة عشر، وواحدة تسعة عشر.. ثم يقول: "وأما قوله: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلَاّ مَلَائِكَةً} [المدثر: 31] ؛ فمن العادة فى الشريعة تسمية القوى اللطيفة الغير المحسوسة ملائكة".
كما يُفسِّر أبواب الجنَّة الثمانية، وأبواب النار السبعة تفسيراً فلسفياً صرفاً، فيقول: "وأما ما بلَّغ النبى محمد عن ربه عز وجل أن للنار سبعة أبواب، وللجنة ثمانية أبواب، فإذ قد عُلِم أن الأشياء المدركَة إما مُدركة للجزئيات كالحواس الظاهرة وهى خمسة، وإدراكها الصور مع المواد، أو مُدركَة متصورة بغير مواد كخزانة الحواس المسماة بالخيال، وقوة حاكمة عليها حكماً غير واجب وهو الوهم، وقوة حاكمة واجباً وهو العقل، فذلك ثمانية. فإذا اجتمعت الثمانية جملة أدت إلى السعادة السرمدية، والدخول فى الجنَّة وإن حصل سبعة منها لا تتسم إلا بالثامن أدت إلى الشقاوة السرمدية. والمستعمل فى اللُّغات أن الشىء المؤدى إلى الشىء يسمى باباً، فالسبعة المؤدية إلى النار سميت أبواباً لها، والثمانية المؤدية إلى الجنة سميت أبواباً لها".
ويُفسِّر ابن سينا قوله تعالى فى الآية [35] من سورة النور: {الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَاّ شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} ..
فيقول: "النور اسم مشترك لمعنيين: ذاتى ومستعار، والذاتى هو كمال المشف من حيث هو مشف كما ذكرها أرسطاطاليس، والمستعار على وجهين: إما الخير، وإما السبب الموصل إلى الخير، والمعنّى ههنا هو القسم المستعار بكلى فى قسميه … أعنى أن الله تعالى خير بذاته وهو سبب لكل خير، كذلك الحكم فى الذاتى وغير الذاتى. وقوله: {السماوات والأرض} عبارة عن الكل. وقوله: {كَمِشْكَاةٍ} فهو عبارة عن العقل الهيولانى والنفس الناطقة، لأن المشكاة متقاربة الجدران جيدة التهئ للاستضاءة، لأن كل ما يقارب الجدران كان الانعكاس فيه أشد، والضوء أكثر. وكما أن العقل بالفعل مشبه بالنور، كذلك قابله مشبه يقابله وهو المشف، وأفضل المشفات الهواء، وأفضل الأهوية هو المشكاة، فالمرموز بالمشكاة هو العقل الهيولانى الذى نسبته إلى العقل المستفاد كنسبة المشكاة إلى النور، والمصباح هو عبارة عن العقل المستفاد بالفعل، لأن النور كما هو كمال للمشف كما حدّ به الفلاسفة ومُخرِج له من القوة إلى الفعل، ونسبة العقل المستفاد إلى العقل الهيولانى كنسبة المصباح إلى المشكاة. وقوله: {فِي زُجَاجَةٍ} لما كان بين العقل الهيولانى والمستفاد مرتبة أخرى وموضع آخر نسبته كنسبة الذى بين المشف والمصباح، فهو الذى لا يصل فى العيان المصباح إلى المشف إلا بتوسط وهو المسرجة، ويخرج من المسارج الزجاجة لأنها من المشفات القوابل للضوء. ثم قال بعد ذلك: {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} ليجعلها الزجاج الصافى المشف، لا الزجاج الذى لا يستشف، فليس شىء من المتلونات يستشف، {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} يعنى به القوة الفكرية التى هى موضوعة ومادة للأفعال العقلية، كما أن الدهن موضوع ومادة للسراج.. " وهكذا استمر ابن سينا فى شرح هذه الآية فارجع إليه إن شئت، وسترى أن شرحه هذا مزيج من فكرتى أفلاطون وأرسطو حيث جمع فيه بين ما يُعرف لأفلاطون من التعبير بـ "الخير" و "الكل"، وما يُعرف لأرسطو من أقسام العقل.
ويقول فى تفسير قوله تعالى فى الآية [4] من سورة الفلق: {وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد} : "قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد} إشارة إلى القوة النباتية: فإن النباتية موكلة بتدبير البدن ونشوه ونموه، والبدن عقد حصلت من عقد بين العناصر الأربعة المختلفة المتنازعة إلى الانفكاك، لكنها من شدة انفعال بعضها عن بعض صارت بدناً حيوانياً. والنفاثات فيها هى القوى النباتية، فإن النفث سبب لأن يصير جوهر الشىء زائداً فى المقدار من جميع جهاته أى الطول والعرض والعمق. وهذه القوى هى التى تؤثر فى زيادة الجسم المغتذى والنامى من جميع الجهات المذكورة" … إلخ.
ويُفسِّر قوله تعالى فى الآية [5] من سورة الفلق أيضاً: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} .. فيقول: "عنى به النزاع الحاصل بين البدن وقواه كلها، وبين النفس".
وفى سورة الناس يُفسِّر قوله تعالى فى الآية [4] : {مِن شَرِّ الوسواس الخناس} .. فيقول: "هذه القوة التى توقع الوسوسة هى القوة المتخيلة بحسب صيرورتها مستعملة للنفس الحيوانية، ثم إن حركتها تكون بالعكس، فإن النفس وجهها إلى المبادىء المفارقة، فالقوة المتخيلة إذا جذبتها إلى الاشتغال بالمادة وعلائقها فتلك القوة تخنس - أى تتحرك - بالعكس وتجذب النفس الإنسانية إلى العكس، فلهذا سمى خَنَّاساً".
ويُفسِّر قوله تعالى فى الآية [6] من سورة الناس أيضاً: {مِنَ الجنة والناس} .. فيقول: "الجن هو الاستتار، والإنس هو الاستئناس، فالأُمور المستترة هى الحواس الباطنة، والمستأنسة هى الحواس الظاهرة"
رأينا فى تفسير الفلاسفة
هذا هو بعض ما قاله ابن سينا فى شرحه لبعض نصوص القرآن الكريم، وهو كما ترى عَيْن ما يذهب إليه الباطنية فى تأويلاتهم للآيات القرآنية، ولا أحسب أن مسلماً مهما كان محباً للفلسفة والفلاسفة يقر ابن سينا وأمثاله على دعوى أن الحقائق القرآنية رموز وإشارات لحقائق أُخرى، دقَّت عن أفهام العامة، وخفيت على عقولهم القاصرة، فرمز إليها النبى بآيات القرآن الكريم.
هذا.. ولعل القارىء الكريم يلحظ معى أن الإمامية الإثنا عشرية والباطنية الإسماعيلية، ومتطرفى الصوفية، ورجال الفلسفة الإسلامية، كلهم يسيرون على نمط واحد هدَّام لمقاصد القرآن ومراميه، ذلك هو ما يُعبِّرون عنه بالرمز، أو الإشارة، أو الباطن. ويظهر لنا أنها عدوى سرت إلى المسلمين من قدماء الفلاسفة، ثم تلقتها هذه الفِرَق بصدر رحب، وتقبلتها بقبول حسن، لأنهم رأوا فيها عوناً كبيراً على ترويج بدعهم، ونشر ضلالاتهم بين المسلمين!!
* * *
التفسير والمفسرون (محمد حسين الذهبي)، مكتبة وهبة، القاهرة، ج2/ص308-318.
.jpg)
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire