مقدمة:
تندرج قضية التغيّر المناخي ضمن القضايا الإنسانية الراهنة التي تعمل مختلف الأطراف الفاعلة على الحدّ منها وإيجاد الحلول الكفيلة بمعالجة هذه الأزمة لما لها من آثار ضارّة على الكائن البشري وبقيّة الكائنات الأخرى على هذه المعمورة.
وتجدر الإشارة في هذا التمهيد إلى قدم العلاقة بين الإنسان والطبيعة، فمنذ الإنسان الأوّل الذي سكن هذه الأرض حسب الدراسات الأركيولوجية والأثريّة والعلميّة كان الصراع بين الإنسان البدائي/ ما قبل تاريخي والطبيعة صراعا محتدما يتبع فيها هذا الإنسان غرائزه السلطويّة من أجل السيطرة على مكوّنات محيطه لشعوره القويّ بتفوقّه وسيادته على الكون.
فلم تغفل التجربة الدينية للإنسان -عبر السياقات التاريخية المختلفة ومساره في الكون – في استثمار هذا الصراع لبناء تجربة روحية يفسّر فيها كلّ الظواهر الطبيعيّة / المشكل حسب رؤيته ويضع السرديات المختلفة لتبرير فشله في الانتصار على البراكين والطوفان والجفاف أو يتوجّه نحو إضفاء طابع القداسة على عناصر الطبيعة كالشمس والقمر والنجوم وغيرها
ونحاول في هذا البحث تقصّي مسار تطوّر هذه القضية وتحولها إلى إشكاليّة معاصرة نظر إليها علم مقارنة الأديان بعيون العلم الباحث عن الحلول لمعالجة أسبابها ودواعيها
تعريف التغير المناخي والإطار القانوني المرجعي:
عرّفت الأمم المتحدّة مصطلح التغيّر المناخي بأنّه :" يعني تغيّرا في المناخ يعزى بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى النّشاط البشري الذّي يفضي إلى تغيّر في تكوين الغلاف الجوّي العالمي، والذي يلاحظ بالإضافة إلى التقلّب الطبيعي للمناخ على مدى فترات زمنية متماثلة"
وفي هذا الإطار تكاتفت الجهود العالمية لحماية النظام المناخي العالمي ويبرز ذلك من خلال اهتمام الحكومات ومنظمات المجتمع الدولي لهذه القضية، والشاهد على ذلك إمضاء 197 دولة على اتفاق باريس على هامش مؤتمر الأطراف 21 بباريس في 12 ديسمبر 2015. وضمّ هذا الاتفاق عديد البنود التوجيهية التي تحدّد الإجراءات التي ينبغي القيام بها للحدّ من هذه الأزمة العالمية ودور كل الأطراف في ذلك لما له من تأثيرات على التنمية المستدامة والقضاء على الفقر، وقد نصت الاتفاقية في توطئة على وعي الممضين بالحاجة "إلى تصدّ فعّال وتدريجي للتهديد الملح الذي يشكله تغيّر المناخ، استنادا إلى أفضل المعارف العلمية المتاحة"
ووفق الدكتورة Aditi Mukherji فإن التغير المناخي سبب خطرا كبيرا على البشرية وأضرار ناجمة عن
فقدان العدالة المناخية بين مختلف الدول والشعوب، حيث تقول في تصريح صحفي: "كانت الوفيات الناجمة عن الفياضات وفترات الجفاف والعواصف أعلى 15 مرة في المناطق الشديدة التأثّر"
وهو ما تسانده منظمة الصحة العالمية وتقاريرها حول آثار التغير المناخي على الصحة العالمية ونسبة الوفيات المتوقعة في السنوات القادمة "يتوقع أن يتسبب بين عامي 2030 و2050 في وفاة قرابة 250000 شخص إضافي كل عام بسبب سوء التغذية والملاريا والإسهال والإجهاد الحراري فقط"
لم تقف القيادات الدينية والزعامات الروحية موقف محايدا أمام هذه القضية العالمية،فقد توجّه الفاتيكان برسالة إلى العالم في أعلى وثيقة سنوية يصدرها البابا سنة 2015، متناولا هذه الإشكالية في رسالته المعنونة: "كن مسبحا" حول العناية بالبيت المشترك داعيا إلى مقاومة الانحباس الحراري والتلوث البيئي والتغير المناخي:" ويضاف إلى هذا التلوث الذي يؤذي الجميع الناتج عن وسائل النقل ودخان المصانع وترسّب مواد تساهم في تحمض التربة والمياه والأسمدة ، والمبيدات الحشرية ومبيدات الفطريات، ومبيدات الأعشاب والمواد الكيمائية الزراعية المسممة بشكل عام"
يعدّ هذا الخطاب البابوي مرتكزا مرجعيا مهما في العصر الحاضر حول عناية المؤمن بالتغير المناخي ومن ورائه علاقة الدين بالطبيعة، وقد تجسّد هذا الاهتمام من خلال العمل المؤسسي على أعلى مستوى من طرف الأديان بهدف إحلال السلم العالمي وتذهب الدكتورة صمدية سعدوني في مقالها حول التعامل المناخي بين الأديان إلى أنه "دفاع عن مواضيع في علاقة بالسلام" فهذا التنسيق بين الديانات يجسّد التعايش المتشرك بين كافة الأفراد المتدينين في العالم من اجل إنقاذ العالم والعيش بسلام، فهو لا ريب مدخل مهم وباب من أبواب الحوار بين أهل الأديان.
ومثال ذلك التعاون هو الكلمة التي ألقاها الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر في الندوة العالمية المنعقدة سنة 2021 بالفاتيكان تحت عنوان "الإيمان والعلم: نحو مؤتمر الامم المتحدة للتغيّر المناخي" حيث دعا شيخ الأزهرمن خلال هذه الكلمة إلى أن يتحمل علماء الأديان مسؤوليتهم كاملة تجاه هذه الأزمة.
وبعيدا عن أيّ محاكمة قيمية لنوايا قادة هذه الأديان في إبراز أسبقية العناية بهذه الإشكالية من خلال ما تضمنته أحكام ديانتهم وتشريعاتهم ولوائحهم المقدسة، فإننا لا يمكن أن نغفل النظر عن تحول هذه القضية إلى واحدة من القضايا المشترك في بين جميع الديانات، وبالإلفات إلى سنوات سابقة نرى أن البهائية أيضا قد تعرضت لموضوعنا هذا بالدراسة والبحث بعنوان وسمه صاحبه ب"اغتنام الفرص: إعادة تعريف التحدي المتمثل في التغير المناخي" وقد نوهت البهائية بأن "مبدأ الجنس البشري يجب أن يصبح المبدأ الحاكم في الحياة على مستوى العالم"
التغيّر المناخي من خلال النصوص الدينية التأسيسية
نبوءات الكتاب المقدس:
تحفل نصوص الكتاب المقدس بالآيات التي تحدثنا عن الآثار الضارّة لتغيّر المناخ والطبيعة، فهاهو سفر الرؤيا في الإصحاح التاسع يخبرنا بظلام الشمس وخروج الجراد: "ففتح بئر الهاوية فصعد دخان من البئر كدخان أتون عظيم، فأظلمت الشمس والجوّ من دخان البئر" ويتجه مفسروا الكتاب المقدس وسفر الرؤيا تحديدا إلى اكتشاف ما يرمز إليه هذه الآية حيث يقول ناشد حنا في شرح معنى الدخان: "هو ضلال شيطاني قد تكون وتكثف في الهاوية، ومن صفاته الـتأثير الأدبي الذي يعمى الأعين ويظلم الجو وهو الذي يشير بولس الرسول بالقول عمل ضلال والكذب ومن تأثيره أن تظلم الشمس والجو(الهواء) أي أن الظلام الأدبي يسود على السلطات والحياة الاجتماعية "
تتشابك هنا بعض المصطلحات والرموز مع عناصر الطبيعة لتعطينا مشهدا مخيفا ومرعبا وهي : (الهاوية والدخان والظلام وعمى الأعين)
ينضاف إليها خروج الجراد ليفسد في الأرض كما ورد في الآية "ومن الدخان خرج جراد على الأرض فأعطي سلطانا كما لعقارب الأرض سلطان"
هكذا إن يصبح عبّر الله عن المشهد المخيف بعناصر الطبيعية من الجراد والدخان وظلام الشمس، لما للطبيعة من قوّة كبيرة في الكون وآثار جسيمة على استمرار الحياة، يقول حنا ناشد في بيان رمزية الجراد بأنها العوامل الشيطانية المسببة في الظلمة والعمى الروحي: "لأن جيوش الجراد الطبيعي هي أعظم القوات المهلكة التي تحول الحنة إلى قفر مجدب"
ويعزو الكتاب المقدس هذا الخراب والتحول الطبيعي إلى معاصي الإنسان والفساد المنتشر واستغراقه في الخطيئة وعدم خلاصه منها فقد ورد في سفر الرؤيا أيضا "وقيل أن لا يضر عشب الأرض ولا شيئا أخضر ولا شجرة ما، إلا الناس فقط الدين ليس لهم ختم الله على جباههم"
ويفصل الكتاب المقدس في سفر تيموثاوس أسباب هذا الفساد الذي يعود إلى حب المال والاستكبار وعقوق الآباء: "ولكن اعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون محبين لأتفسهم محبين للمال، متعظمين، مستكبرين، مجاهدين، غير طائعين لوالديهم غير شاكرين دنيسين بلا حنو بلا رضى ثالبين عديمي النواهة شرسين غير محبين للصلاح حائنين مقتحمين متصلفين محبين للذات دون محبة لله"
هذه الآيات تندرج ضمن الرسالة الثانية التي أرسلها الرسول بولس حين كان سجينا في روما ومهددا، وهي أيضا الرسالة الأخيرة التي كتبها الرسول بولس حسب ما اتفق عليه مفسروا الكتاب المقدس، وهذا السياق التاريخي والظروف المحيطة بالرسالة تجلت ملامحها على الآيات التي بينت حالة البشرية وما استحالت إليه من غرض في الخطايا والأمراض الروحية: "يخبر الرسول بولس تيموثاوس عن العلامات والأدلة التي تعرف بها تلك الأزمنة فمحبة الذات عندما تحتل مكانة المحبة المسيحية التي تهتم بخير الآخرين ستجعل الأزمنة مرعبة، عندئذ لن يفكر الناس إلا في أنفسهم فقط"
وبالعودة إلى سفر التكوين وهو سفر البدايات، بداية الخليقة والكون والحياة والطبيعة، يجعل الله الإنسان مسؤولا على هذا الكون كله متحكما في العالم بتفاصيله ومتسلطا عليه مسخرا له كلّ الطبيعة لتكون خادمة له مطيعة له وبالتالي فإنّ أيّ انقلاب في هذه الطبيعة هو دليل على هذا فساد الإنسان و كل تغيير في نواميسها هو سوء تصرف من هذا الكائن، يقول سفر التكوين في ذلك: "وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدّبابات التي تدبّ على الأرض"
ففي هذه الآية جعل الله قيادة الكون وتدبير أموره للإنسان وجعله سلطانا عليه وله المسؤولية الكبرى في الحفاظ عليه واستمراره لهذا دعّم الله هذه المسؤولية الكونية بأن بارك الإنسان وآتاه البركة من أجل إتمام إخضاع الكون له : "وباركهم الله وقال لهم : أثمروا وأكثروا واملاوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدبّ على الأرض"
وعلى هذا المعنى يتجه شارحوا هذه الآيات ومفسروا سفر التكوين حين قالوا بأن الله "بعد خلقه الحيوانات في اليوم السادس، خلق الله أعظم كائن وهو الإنسان وهذا معناه أنه أوجده من العدم وليس متطورا تلقائيا من حيوانات أدنى منه. وخلقه متميزا عن باقي الخلائق بوجود روح فيه فيصير على صورة الله ومثاله، وأعطاه أيضا أن يكون قائدا ومتسلطا على جميع أنواع الحيوانات"
وفي هذا السياق يدور خطاب البابا فرنسيس ورسالته التوجيهية حول المناخ حين تحدث عن العلاقة بين الإنسان والطبيعة وتشابك العلاقة بينهما وضرورة إعادة التفكير في هذه العلاقة باعتبار أن الإنسان هو جزء من محيطه غير منفصل عنه ودوره الحقيقي هو الحفاظ على هذا المحيط من أي أسباب التلوث والعناية بالنظام الكوني كله بحرا وجوا وبرا واعتماد المقاربة الإيكولوجية التي تحمي البيئة وتحافظ عليها حيث يقول في هذا الإطار: "إن أسباب تلوث مكان ما تتطلب تحليلا لكيفية عمل المجتمع واقتصاده وسلوكه واساليبه في فهم الواقع، و نظرا لاتساع نطاق التغييرات فإنه لم يعد ممكنا إيجاد جواب محدد ومستقل لكل جزء من المشكلة. فمن الأساسي البحث عن حلول متكاملة، تأخذ بعين الاعتبار تداخل تلك علاقات الأنظمة الطبيعية فيما بينها ومع الأنظمة الاجتماعية"
نهاية القول في هذا، هو ما نلاحظه من انسجام بين النص المقدس والفكرة الإنسانية العامة حول العناية بالبيئة والمحافظة على النوع الإنساني وبقية الكائنات من أي زوال سببه هو سوء تصرف المسؤول الأول عن الكون –وهو الإنسان- الذي له مسؤولية العمران والبناء والتشييد مقابل ما تسببه التصرفات الخاطئة القائمة على الخطيئة والابتعاد عن تعاليمات الخالق من غضب الربّ وتسلطيه الكوارث الطبيعية من أجل إيقاف تعنت الإنسان و فساده.
رؤية القرآن الكريم:
لم تشذّ المنظومة الإسلامية عن بقية النظم الدينية في اعتبار أن التغييرات المناخيّة هي أعظم أزمات الكائن البشري اليوم وأكثر التهديدات الخطيرة على الكون كله، لأنها ببساطة تهدد بقاءه واستمراريته. ويتجسد هذا الاهتمام من خلال التشريعات والأحكام الفقهية التي أولت العناية بالبيئة والمحافظة على الكون الأهمية البالغة، وما تضمنه القرآن الكريم من إشارات واضحة داعية إلى تحول الإنسان إلى دور الحارس لهذه الطبيعة وعدم الإفساد. وعلى ذلك استندت الجمعيات غير الحكومية في الدائرة الإسلامية، من أجل الحثّ على تحمل الأمانة الكونية على أحسن وجه والتنبيه من خطورة التغييرات المناخية المهددة للكون، ويتجلى هذا الاهتمام من خلال الإعلان الإسلامي حول تغير المناخ الذي أعنلته منظمات إسلامية واشتغلت عليه منظمة المؤسسة الإسلامية للطبيعة و علوم البيئة. حيث ورد في النسخة النهائية لهذا الإعلان في المقدمة:" إن الله عز وجل خلق الكون بكل ما فيه من تنوع ووفرة وحيوية: النجوم والشمس والقمر والأرض لكل مجموعاتها من الكائنات الحية، وتعكس وتجسد كل هذه الخلائق جلال خالقها ورحمته"
من المؤكّد أنّ هذا الإعلان هو تجسيد حقيقي لقيم الإسلام السمحة التي ما تواطأت المصنفات والمرجعيات الدينية الإسلامية بكل خلفياتها الكلامية والفقهية والمذهبية بأن تعزز من شأنها وتعليها كقيم كونية كان الإسلام سبّاقا للإعلان عنها وبسطها لكل البشر، فالإنسان هو دين عالمي ومنفتح على بقية سكان المعمورة مهما احتلفت مشاربهم ودياناتهم، لذا فقد نادى الإعلان بمناشدة من يريد المساعدة على هذا التحدي العالمي "ونرحب بالمساهمات الجليلة من قبل الأديان الأخرى لنخرج جميعا فائزين"
فهذا العمل المشترك وفق قانون العيش المشترك على هذا الكون من أسباب التقريب بين الأديان وتوحيد الجهود الكفيلة بالانتصار على المعركة الوجودية الكبرى في هذا القرن، فهو باب من الأبواب التي يعمل فيها الإنسان صالحا وفق المنظور الإسلامي فيكون جزاؤه الجزاء الأوفى.
يلقى المتفحص لسور القرآن الكريم وآياته إشارات واضحة تدلّ على مدى التنظير الإسلامي المحكم لقضية التغيير المناخي، فكانت معالجته لهذه الأزمة الإنسانية معالجة وقائية منذ البداية، فقد حمّل الله عزّ وجل الإنسان مسؤولية الإعمار والخلافة في الأرض ووسمها بأنها أمانة عظيمة: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملها" فهذه الأمانة العظيمة التي لم تقدر عليها الطبيعة "حملها الإنسان"، لعلم إلهي بأن تجربة الإنسان الكونية ستقوده إلى بذل الجهد من أجل المحافظة عليها لا إفسادها. فالإنسان مرتبط بالطبيعية ارتباطا وثيقا، حيث أنه خلق من طين لازب وتراب وماء حسب الرواية القرآنية، لتشبه هذه العلاقة علاقة الأمّ والابن، لذا حرّم الإفساد في الأرض كما حرّم عقوق الأمّ، وجبل الإنسان على حسن التصرف فيها كما جبل الابن على طاعة والدته.
ولحسن التدبير ونجاح المسؤولية فقد سخر الله للإنسان عناصر الكون كلها بقوله سبحانه" الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار"
فهذا التسخير في حقيقته يتجاوز الإخضاع والخنوع إلى علاقة تفاعل إيجابي قائمة على حسن التصرف والتدبير فإنّ " العلاقة بين المخلوقات ليست على أساس التكامل والتكافل والتعايش المتعضيين. "
هكذا تشير الآيات إلى علاقة تفاعل الإيجابي و تنزلت جلّ الآيات التي تحدثنا عن هذه العلاقة في سياق الأمل والحياة:
الطين اللازب مع الماء يحيل على خلق الإنسان أي ترمز إلى الحياة/الولادة
الشمس والقمر تحيل على النور والسراج والضياء أي ترمز إلى الهداية
السماء مسخرة للإنسان لنزول المطر أي ترمز إلى الرزق
الأرض مسخرة للإنسان لتخرج منها الثمرات والكنوز أي ترمز إلى العمران
بهذا المعنى يتحوّل العيش في الأرض إلى استقرار بشرط المحافظة على هذا التوازن يقول تعالى"ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين"
إن سوء التصرف وعدم الثبات البيولوحي وزعزعة النظام البيئي ومسّ هذا الاستقرار المطلوب، يؤدي حتما إلى خلل كوني يتجسد في الجفاف وقلة الأمطار والانحباس الحراري يؤدي كذلك إلى انقراض الحيوانات ما يشكل خطرا على الوجود الإنساني. وسبق أن تحدث القرآن الكريم في قصة يوسف عليه السلام عن آثار الجفاف الذي ضرب مصر وبيّن كذلك حسن التدبير الذي أنقذ المملكة قال تعالى: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء"
هنا إشارة الوحي الإلهي إلى إدارة الاقتصاد والزراعة وغيرها كما أنها إشارة إلى التربية البيئية السليمة التي لا تستنزف الأرض والموراد الطبيعية فلا يتجول الإنسان إلى عابث بالطبيعة وسيدا للكون بقدر ما يكون فاعلا فيه مريدا لسبل الإصلاح والصلاح، وهو ما ينتج عنه ما نسميه اليوم بالتنمية المستدامة التي لا يمكن أن تكون بتدمير البيئة والتلوث الجوي وغيره. "فالتوازن البيئي الشامل هو الذي أدخل عليه الإنسان، من جراء فصل نفسه عن البيئة وطموحه للسيطرة عليهاـ تغييرات كبرى أدت إلى ظهور مشكلات بيئية واسعة النطاق طالت تأثيراتها جميع المحيطات والقارات وأسافل وأعالي الأجواء"
على سبيل الخاتمة:
في نهاية هذا العمل لا يسعنا إلى أن نذكر بعض النتائج المستقاة من عملية البحث ويمكن تلخيصها كالآتي:
إن التغيير المناخي هو قضية إنسانية خطيرة على الوجود الإنسان مهددة لاستقرار الكون، لذا لم تغفل الأديان من خلال نصوص دينية الإشارة إلى مكانة الطبيعة عموما.
اختلفت الأديان في تناولها لعلاقة الطبيعة بالإنسان فتراوحت بين النظرة السوداوية القائمة على قهر الطبيعة للإنسان من ناحية و تكامل عناصر الطبيعة مع الإنسان من ناحية أخرى
إن معالجة التغيير المناخي هي مسؤولية لها أبعادها الدينية والروحية تفرض على المتدين الاهتمام بها كواجب ديني يهدف لحماية البيئة واستمرار الإنسان.
إن بقاء الإنسان هو بقاء سائر الكائنات الأخرى التي سخرت من أجل أن تكون مساعدة له في البناء الكوني والعمران الحضاري.


0 commentaires:
Enregistrer un commentaire