رسالة الحكمة

العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى و لم يؤمن بها.

الحضور المسيحي بتونس

 

مقدمة:

تعتبر المسيحية الديانة الأكثر انتشارا في العالم حسب الدراسة التي أجراها مركز بيو للأبحاث

« pew research pew » ،  حيث يعدّ عدد المسيحيين ب2.2 مليار نسمة من عدد سكان العالم.[1]

ورغم هذه المكانة فإن حضور المسيحية في تونس يتمّ دراستها من زاوية نظر الـأقليات الدينية.

وهو ما يطرح الإشكاليات التالية : كيف يعيش المسيحيون في ظل هيمنة الديانة الإسلامية على معتقد المجتمع التونسي وهويته؟


1.             المسيحية في تونس: الجذور التاريخية:

في العصور الأولى الممتدة إلى القرنين الأول والثاني بعد ميلاد المسيح استطاعت الديانة المسيحية وضع موطئ قدم بين المعتقدات الدينية القديمة للبلاد التونسية.

وأوّل الشواهد على تواجد المسيحيين في تونس وثيقة تاريخية تسمى أعمال شهداء قرطاج التي ترجع إلى سنة 180م[2]

بيّنت هذه الوثيقة الاضطهاد الذي تعرض له المسيحيون الأمازيغ من منطقة السليوم (الفراشيش) في عهد الوالي ساتورينوس saturninus ، وكان الهدف من هذه الاضطهادات قمع الدعوة للمسيحية من جهة وتثبيت العقيدة الوثنية الرومانية من جهة ثانية باعتبارها الديانة الرسمية. كما عرض الوالي وقتئذ عفوا لمن يعود عن الديانة المسيحية.

تعرّضت المسيحيّة في تونس إلى موجات من فترات قوة أو فترات ضعف قاربت الاندثار وذلك في ارتباط وثيق بالواقع السياسي للبلاد التونسية منذ نشأتها الأولى وتنظيم الكنيسة القرطاجية مع القدّيس القرطاجي "قبريانوس"  Saint Cyperienفي القرن الثالث ميلادي.  والذي ساهم بشكل كبير كشخصية لها مكانتها الاجتماعية من ناحية الثقافة والنسب أيضا أن يدخل ينشر المسيحية بين الأمازيغ ويوصل التعاليم اللاهوتية لأكثر عدد من الناس وهو ما أدّى إلى إعدامه خاصة بعد رفض المسيحيين الالتحاق بالجيش الروماني الوثني والمشاركة في الحروب معه.[3]

وتعدّ الأزمة الثانية التي تعرّضت لها المسيحية هو دخول الإسلام إلى تونس حيث بدأ عدد المسيحيين في الانخفاض تدريجيا حتى القرن الخامس عشر ميلادي[4] حيث لاقى الدين الإسلامي شعبية بين السكّان إلى يوم الناس هذا ليكون هو الديانة الأولى ويتحول إلى الديانة الرسمية للبلاد التونسية.

آثار دينية قديمة:

     آثار كاتدرائية داموس الكريطة في قرطاج                                                        الحي المسيحي المبكر في قرطاج القديمة


 

      آثار بازيليكا القديس بطرس الكاف                                        أطلال إحدى الكنائس القديمة

 

2.             واقع المسحيين اليوم

أ/على المستوى الرسمي: الدولة التونسية

*إنشاء متحف المسيحية المبكرة بقرطاج

أعلنت وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية في تونس أنه قد تم الثلاثاء 8 جوان2021، إعادة فتح المتحف المسيحي المبكر بقرطاج.[5] ويرجع إنشاء متحف الفترة المسيحية المبكرة إلى سنة 1984 في نطاق الحملة الدولية لإنقاذ قرطاج التي أطلقتها كل من اليونسكو والمعهد الوطني للتّراث.

ويعدّ تركيز هذه المؤسسة الثقافية دليلا على أن الدولة التونسية تعترف إعترافا رسميا بتاريخ تونس الثري بالديانات المختلفة التي مرّت على البلاد وهي ما يعطي صورة التعايش والتسامح التي تعطيها السلطة الرسمية تجاه الأقليات التي تعيش داخل هذه المنطقة الجغرافية.


         

صور من داخل متحف المسيحية المبكرة

 

 

*الناحية القانونية:

تعتبر حرية التعبير مكفولة بالدستور سواء في دستور 2014 الذي نصّ في المادة السادسة منه على أن الدولة تحمي المقدسات.

كما ضمن دستور 25 جويلية 2022 الحريّة الدينيّة وذلك في الفصل 27 من الباب الثاني المتعلق بالحقوق الفردية: "تضمن الدولة حرية المعتقد والضمير"[6]

وتعدّ هذه المكاسب التشريعية ضمانة لحق الأفراد في الاعتقاد والتفكير، ولو لأنها لا تنصّ صراحة على حقوق الأقليات الدينية.

* إقامة الشعائر

تقام في جميع الكنائس المسيحية الشعائر الدينية وقد أظهرت وسائل التواصل الاجتماعي تفاعلا هاما مع كمية الصور المبثوثة في صفحات الفايسبوك بين الرفض والقبول إلا أن مثل هذه الصور تستجلب عادة فئة كبيرة من المعجبين الذين يؤيدون بشدة إقامة شعائر أعياد الميلاد في كل 25 ديسمبر من كل سنة أو خرجة مادونا السنوية في شهر أوت.

وهي من المظاهر التي تبيّن قيمة التعايش وقبول المغاير الديني في تونس، ولو نسبيا خاصة وأن الصور تظهر أفراد الجالية الأروبية وهم يؤدون صلواتهم في الكنائس، أما بخصوص التونسيين الذين تحولوا عن ديانتهم الإسلامية إلى المسيحية فهم يتعرضون عادة إلى كم هائل من الشتائم.

وقد صرّح الأب سيلفيو مورينو لوكالة الأناضول أن: " العلاقة التي تجمع الأديان في تونس هي علاقة تكامل عميقة منذ القدم"[7]

        صور من خرجة مادونا

   


 

   قداس في كاتدرائية تونس احتفالا بأعياد الميلاد           

ب/على المستوى غير الرسمي

*المجتمع المدني:

لا شكّ أنّ المجتمع المدني من جمعيات ومنظمات حقوقية وثقافية هي المحرّك الأساسي لكل مجتمع والمدافعة عن القيم الإنسانية والكونية، ويعتبر دورها أساس كل بناء سليم لمجتمع ما، و منطلق التقدم والرقيّ.

وقد لعب المجتمع المدني دوره المنشود دفاعا عن حقوق الأقليات سيما حقوق الأقليات الدينية ومن الجمعيات التي سعت إلى الاشتغال في هذا الحقل: جمعية "تلاقي" وهي جمعية تونسية تبين في صفحتها على الفايسبوك أن رسالتها: "الدعوة إلى الحوار والتواصل بعيدًا عن العنف والكراهية. والالتزام بالدفاع عن حرية الدين والمعتقد، واسماع صوت الأقليات الدينية، ونبذ كل أشكال التمييز والتعصب ضدهم"[8]

ومن أهم منجزات هذه الجمعية في هذا الإطار توقيع "الميثاق الوطني للتعايش السلمي المشترك" في 26 جانفي 2022، حيث يبين تقديم الجمعية لهذا الميثاق على حضور المسيحيين كمساهمين رئيسيين فيه " ان هذا الميثاق الذي تم التوقيع عليه، لم يأتي من فراغ بل هو نتيجة لهذا الجهد وللعديد من اللقاءات منذ اول لقاء احتضنته كنيسة سان جورج بتونس في سبتمبر 2018 وأول لقاء بين تونسيين من مختلف الأديان والعقائد في افريل 2019. وما تلاها من ورشات وندوات جمعت طيفا واسعا من المكونات الدينية والمجتمعية الناشطة في مجال الحوار بين الأديان وحقوق الانسان. ولهذا نحن فخورون في منظمة التلاقي كوننا رعاة ومساهمين فاعلين في الوصول لهذا اليوم الذي عقدنا فيه هذا الحدث الكبير"[9].

و قد ظهرت في وسائل التواصل الاجتماعي صور لإمرأة مسيحية في مقبرة "بورجل" بتونس تكتب الآيات القرآنية على قبور المسيحيين، وقد عدّها البعض نموذجا جيدا في إطار تقارب الأديان والتعايش المشترك وقبول الآخر.


في المقبرة المسيحية "بورجل" بتونس تكتب الايات القرانية على قبور المسيحيين

صور ياسين القايدي مصور وكالة الاناضول للانباء

 

وقد لاقت هذه الصور وغيرها إعجابا من المتابعين رغم وجود تعليقات أخرى لم تتقبل من هذا السلوك. 

*التبشير عبر مواقع الأنترنت

يعتبر موقع "المسيح في تونس" موقعا تبشيريا مهما إضافة إلى مواقع الإلكترونية الخاصة بالكنائس الرسمية. غير أنّ هذا الموقع المذكور يتميز بأسلوبه الخاص وسهولة البحث والتوصل للمعلومة.

حيث تعترض المتصفح للموقع عبارة "احنا توانسة نكتشفوا ونشاركوا ونطيعوا الإنجيل"

وهذه العبارة تمت صياغتها بلهجة تونسية أصيلة قريبة من المواطن التونسي وتبرز العمق التونسي والمواطني للمسيحي كما تزيح أي اختلاف مع المسلم.

وفوق العبارة والصورة الخلفية نجد رابطا لتنزيل الإنجيل.

ويعد هذا الموقع بأسلوبه وصوره موقعا قادرا على استقطاب الراغبين في اعتناق المسيحية لأنه يعطي الانطباع بسماحة الدين المسيحي عند التجول بين الصفحات المختلفة، حيث نجد سؤال التالي: "كيفاش نولّي مسيحي؟ تحب تعرف كيفاش تولي مسيحي؟"[10]

وكانت الإجابة كالتالي: " إمّالا، كونك تختار إنّك تتبّع المسيح لاهو خيانة للقبيلة ولا للعشيرة ولا للأمّة الّي تنتمي ليها، إنّك تتبّع المسيح هو النتيجة الحتمية لإعلان الله ليك عن نفسه وعن خطته الخلاصية بعد ما طلبت منو انت إنّو يورّيك طريق الحق والثنية متاع غفران آثامك."[11]

نلاحظ أن المقال مصاغ بلهجة تونسية ومدعم بشواهد من الكتاب المقدس واستعمال ألفاظ قريبة حتى للمسلم "الله" الرب"


3.             الصعوبات التي تعترض الأقلية المسيحية

صحيح أن المسيحيين في تونس لا سيما الأوربيون يتمتعون بحرية الممارسة الدينية لشعائرهم وطقوسهم، والدولة و حتى المجتمع لا يحارب الأنشطة الدينية في غالب الأحيان خاصة الديانات السماوية، إلا أن القانون في تونس لا يسمح صراحة بتحول المؤمن من حقه في ممارسة الشعيرة إلى داعية لمعتقده، وقد أكدت  على ذلك سيليفيا كواترينا في مقالها حول الأقليات الدينية في تونس بقولها "إن حظر ممارسة الأقليات الدينية لأنشطة التبشير والدعوة يُعزى إلى مصادر مختلفة: منشور دوري منذ الثمانينيات (لا يمكن الوصول لنصه على الإنترنت)، واتفاقية “مودوس فيفندي” مع الفاتيكان، وأحكام القانون الجنائي السابق ذكرها. وقد ثبت أن ذلك يمثّل معضلة حقيقية للمتحولين للمسيحية، الذين تم استهدافهم في حوادث متعددة خلال السنوات الأخيرة. "[12]

وقد أكّد مسؤول العلاقات العامة والشراكة بمنظمة تلاقي غسان العياري[13] أن المسيحين يتعرضون لصعوبات عديدة في الإفصاح عن دينهم وتعرض العديد لمضايقات أمنية خاصة في مسألة التبشير ويتم إيقافهم بتهم تكوين وفاق، كما يعتبر أن 95 بالمائة من الكنائس هي كنائس بيوتية دون رخص ودون إعلام سلط وأكد أن "المسيحيين لا يمتلكون مقابر عكس ما يروج إليه البعض أو يعرفه البعض مثل مقبرة قرطاج ومقبرة بورجل وأن المقابر الأخرى على ملك السفارات الأجنبية. فأغلب المسيحيين يتم دفنهم كمواطنين تونسيين في المقابر الإسلامية وهو المسكوت عنه في تونس.

الخاتمة:

في ختام هذا البحث يمكن أن نستخلص ما يلي:

-يتميز تعامل التونسيين مع الديانة المسيحية من منطلقات مختلفة تغلب عليها عادة القبول للمسيحيين الأوروبيين و نفر المسيحيين العرب التونسيين واعتبارهم مرتدين عن الدين.

-إن حضور المسيحيين غالبا ما يكون في المناطق الساحلية والمدينة ما يجعل تعايشهم سهلا واندماجهم سلسا في المجتمع.

-تعامل التونسي مع المسيحيين على حسب انتمائه وخلفيته الثقافية والفكرية والحضارية وأحيانا السياسية

-تدخل السفارات الأجنبية وقوة  السفراء الأروبيون يعتبر بمثابة الحصانة أمام أي استهداف أو مضايقات.

-الانتقال من الدفاع عن الأقليات الدينية من خلال ما يسمى بالحرية الدينية إلى المطالبة بالتعددية الدينية كمصطلح جديد يضمن للجميع الحقوق الفردية التي تخول للجميع التمتع بنفس الحقوق والحريات في المجتمع

-عدد أفراد الجالية الأوروبية يسمح باندماج سهل للمسيحيين وسهولة في تعود التونسي بهذه الديانة.

-نلاحظ أن تعامل التونسي مع المسيحي الإفريقي مختلف عن المسيحي الغربي وهو ما يطرح تساؤلا حول النزعة العنص


[2] يمكن الاطلاع على  نص هذه الوثيقة في موقع مسيح تونس: شهداء سليوم الأمازيغ (القصرين) - المسيح في تونس (elmassihfitunis.com) كما وردت أسماء هؤلاء الشهداء في قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض شخصيات كنسية للقمص تادرس يعقوب ملطي

 

[3] | Saint-Cyprien Biographie, Persécution, Martyre, Jour de Fête, & Faits | Britannica

                                                                      (الموسوعة البريطانية: /www.britannica.com

[4] Prevost ,Vergine :Les dernières communautés chéistiennes autochtones d’Afrique du Nord, Revue de L’histoire de des Religions, v 04 , année 2007,  p463.

[6]  دستور الجمهورية التونسية: موقع الرائد الرسمي : المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية (iort.gov.tn)

[8]  الصفحة الرسمية على الفايسبوك، www.facebook.com/attalakitunis/about/?ref=page_internal

[9]  موقع attalaki على الفايسبوك

[13] تم الاتصال به هاتفيا وسؤاله حول "هل يتعرض المسيحيون إلى صعوبات في الإفضاح عن دينهم؟" وذلك بتاريخ 10/11/2022 على الساعة 12.10

شاركه على جوجل بلس

عن منتصر بوعجيلة

باحث في الدراسات الدينية المقارنة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire