رسالة الحكمة

العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى و لم يؤمن بها.

عقيدة الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

قال الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرائني رضي الله عنه:

ولما وقع الاختلاف بين أهل الحق في صفة المؤمن، ورأيت الفتاوى في الأحكام على غاية الاختلاف عند السؤال، رتبت في أقلّ ما يحتاج إليه على قول الجماعة وأتبعته ما يعطيه عند الكافة ليقف عليه المدّعي علمَ الشريعة، ويزيل عن نفسه تغيير أهل الدراية، ويجوّز فتواه عند أهل المعرفة، ويستحق اسم الإيمان على قول من ينتسب إليهم في علم التوحيد والعقول، ويلقن الصبيان عند البلوغ فيكونوا مؤمنين عند الخطاب.

ولولا وجوبه عليّ بالشريعة لكنت لا أجمعه لهذه الطائفة مع ما غلب عليهم من الجهالة وما استشعروه لأهل التوحيد من العداوة لقصورهم عن هذه الرتبة.

والذي لا بد لهذه التسمية:

1ـ اعتقاد حدث العالم.

2ـ ثم الاعتقاد بأن العالم عبارة عن كل شيء سوى الله تعالى.

3ـ ثم الاعتقاد بأن له محدثا.

4ـ ثم الاعتقاد بأن محدِثه قديم.

5ـ ثم الاعتقاد بأنه لا يشبه شيئا من المخلوقات، وتحقيقه أنه لا يتصور في الوهم وما دونه يقبل هذه الصفة.

6ـ ثم الاعتقاد باستحالة الحدِّ والنهاية عليه.

7ـ ثم الاعتقاد بأنه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض.

8ـ ثم الاعتقاد بأنه مستغن عن الأغيار. وعبّر بعض أهل الخطابة عنه بأن قال: “الاعتقاد بنفي الكيفية والكمية والإينية واللمية”.

9ـ ثم الاعتقاد بأنه حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم له حياة وعلم وقدرة وإرادة وسمع وبصر وكلام لم يزل ولا يزال هو موصوفا بهذه الصفات، ولا يشبه شيء منها شيئا من صفات المخلوقين ولا يقال فيها “إنها هو ولا غيره” ولا “لا هي هو وغيره”، ويستحيل أن يقال إنها تفارقه أو تجاوره أو تخالفه أو توافقه أو تحله، بل هي صفات له تقوم به.

10ـ ثم الاعتقاد بأن قدرته تعمّ المقدورات وعلمَه يعم المعلومات، لم يزل كان عالما بجميعها على أوصافها في ذواتها، وإرادته تعمّ المرادات على أوصافها في ذواتها لا يكون إلا ما يريد ولا يريد إلا ما يكون.

11ـ ثم الاعتقاد بأن لا إله غيره ولا خالق سواه.

12ـ ثم الاعتقاد بأنه شيء واحد وتحقيقه أنه لا يتبعّض في الوهم ولا يتجزأ في العقل وهو تفسير “الأحد الصمد”.

13ـ ثم الاعتقاد بأنه لا يجوز عليه شيء مما جاز على المحدَثات فدلّ على حدوثها؛ ومعناه أنه لا يجوز عليه الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ولا المحاذاة ولا المقابلة ولا المماسة ولا المجاورة ولا قيام شيء حادث به ولا بطلان صفة أزلية عنه ولا يصح العدم عليه.

14ـ ثم الاعتقاد بأنه قائمٌ بنفسه، مستغنٍ عن مكان يُقِلُّه أو جسم يَحله، ليس له تحتُ فيكون تحته ما يسنده، ولا فوق فيكون فوقه ما يمسكه، ولا جانب فيكون إلى جانبه ما يعضده أو يزاحمه.

15ـ ثم الاعتقاد بجواز الرؤية عليه مع نفي هذه الأوصاف عنه.

16ـ ثم الاعتقاد باستحالة الأزواج والأولاد والشركاء والمماثلين له.

17ـ ثم الاعتقاد باستحالة الآفات عليه.

18ـ ثم الاعتقاد بأنه قادر على إماتة كل حي سواه، ويجوز منه إفناءُ كل شيء غيره، وإعادةُ الأجسام وخلقُ أمثالها من غير قَصْر على حدّ، وإحياءُ ما يعيده ويخلقه إن شاء إذا شاء متى شاء كما شاء.

19ـ ثم الاعتقاد بأنه قادر على كل شيء يُتوهَّم حدوثُه على الانفراد.

20ـ ثم الاعتقاد بأنه يجوز منه بعثةُ الرسل وتنزيلُ الكتب وإقامةُ الحجج وتعبدُ الخلق والثواب والعقاب؛ لا اعتراض عليه في فعله ولا حجْر عليه في مقدوره ولا يستحق عليه شيء ولا يلزمه فعل، وأن الأدلة على صدق الرسل عليهم السلام المعجزاتُ ولا يجوز إظهارها على أيدي الكذابين.

21ـ ثم الاعتقاد بأنه لا واجب على أحد قبل مجيء الرسل ومن فعل شيئا قبله لم يُقطَع له بثواب ولم يُجزم عليه بعقاب.

22ـ ثم الاعتقاد بأنه بعث الرسل وأنزل الكتب، وأمر ونهى، ووعد وأوعد، وما أمر به الرسل فهو حق وما أخبروا عنه فهو صدق لا يجوز العدول عنه ولا الخروج منه على ما رتبوه في الشرائع.

23ـ ثم الاعتقاد بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول رب العزة ومعجزته القرآن ودينه الإسلام، وأخبر صلى الله عليه وسلم بالحشر والنشر وعذاب القبر وثواب أهل الطاعة وعقاب أهل المعصية، وأن من مات على الإيمان كانت عاقبته الجنة إما بالتوبة وإما بالشفاعة.

24ـ ثم الاعتقاد بأن ما أجمعت أمته على صحته فهو حق وما أجمعت على بطلانه فهو فاسد، وأن العباداتِ الخمسَ هي أصول الإسلام؛ وهي الشهادة والصلوة والزكوة(29) والصيام والحج.

25ـ ثم الاعتقاد بأن ما أشكل عليه من أمر دينه في ما بعد فواجب عليه الرجوع إلى أعلم من عنده في دينه وأورعهم في فعله ممن بلغ مبلغ المجتهدين، والمسألةُ عما نزل به والعملُ بما يفتيه فيما رفع إليه.

26ـ ثم الإقرار بجميعه مع الإمكان والأمن.

فهذا ما لا بد منه عند الجميع.

فإذا اعتقد ذلك قال أهل الظاهر إنه يستحق اسم الإيمان وصار من أهل الشفاعة وكانت عاقبته الجنة.

وقال أهل التحقيق لا يكون كذلك حتى يصير اعتقاده بما وصفناه معرفة على ما رتبناه؛ فيكون من جملة العارفين ويخرج من جملة المقلدين. وإن جاز فيه التقليد فإنما يجوز ذلك عند أهل التحقيق(30) وقد اتفقوا على المنع منه.

والذي يحتاج إليه في ذلك أن يعرف كل ذلك مما ذكرناه بدليله ولكل تنبيه من الكتاب والسنة على تحقيق العقول والأدلة. جميعه مستنبط من أسامي الربّ جل وعز وهو تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة». يريد من علمها دخل الجنة على العاقبة(31)، إما بالشفاعة وإما بالتوبة. وأورد الأسامي على الجمع والاختصاص في غير هذا الموضع وأتبعها بالدلالة ليكون كمال الإيمان باتفاق أهل التحقيق على ما وفق الله فيه.

واختلفوا في ما من أجله لا يكون اعتقاده علما من طريق التقليد.

فقال قائلون إنما ذلك لعدم علمه بأن من يرجع إليه في تقليده معصوم لا يخطئ.

وقال آخرون إنه لا يكون كذلك لأنه على منزلة من ترد عليه الشبهة فلا يرجع إلى شيء يتعلق به في دفعها عن نفسه.

ثم قالوا إن منَّ الله على عبد بدفع الشبهة عنه وتصفية اعتقاده وعصمته من الوسواس الذي يرد عليه فذلك معرفة منه وإيمان صحيح، وإذا اعتقد في نفسه أن معتقده على ما هو به وقطع عليه كان عالما على الحقيقة.

واتفقوا على أن الذي يحقق اعتقاده معرفة دليل واحد في كل مسألة لا يحتاج فيها إلى التبحر والتمكن من دفع الأسئلة والأجوبة، فإنها إذا وردت عليه فأوقعت له الشبهة دفعها بما كان عنده من الدليل.

وأذكرُ لكل فصل منها دليلا على الاختصاص ليكون كمال الإيمان بإجماع أهل الحق.

1ـ فالذي يدل على حدوث الأجسام أنها لو كانت لم تزل موجودة لم تخل في وجودها من أن تكون مجتمعة أو مفترقة، أو مجتمعة مفترقة، أو لا مجتمعة ولا مفترقة، أو لم تزل تجتمع تارة وتفترق أخرى لا إلى أول.

ويستحيل أن تكون لم تزل مجتمعة لأنها لو كانت كذلك لم تخل من أن تكون مجتمعة لنفسها، أو لمعنى قديم، أو لمعنى محدث؛ ويستحيل أن تكون لم تزل مجتمعة لأنفسها لاستحالة افتراق ما كان مجتمعا لنفسه مع وجود نفسه، ويستحيل أن تكون مجتمعة لمعنى قديم لاستحالة وجود الافتراق مع وجوده واستحالة بطلانه بعد الوصف بقدمه، ويستحيل أن تكون مجتمعة لمعنى محدث لاستحالة تعلق القديم بالمحدث.

 ويستحيل أن تكون لم تزل مفترقة على الترتيب الذي ذكرناه في المجتمع.

ويستحيل أن تكون لم تزل مجتمعة مفترقة لتناقضه في الوصف والمعنى.

ويستحيل أن تكون لم تزل لا مجتمعة ولا مفترقة لما فيه من إثبات الافتراق عند نفي الاجتماع وإثبات الاجتماع عند نفي الافتراق، فيصير تحقيقه كالفصل الأول.

ويُزاد في بيانه أن يقال: كل شيء يجوز عليه الاجتماع والافتراق لم يتقدّر وجوده في الوهم متعريا عن الوصفين.

ويجمع هذه الأقسام الأربعة ويعبر عنها بأن يقال: أيّ وصف منها إذا كان أزليا فله موجب أزليٌّ، ولا يصح عدم الأزلي ولا يجوز عليه تغير الحكم، وإذا ثبت التغير بالمشاهدة بطل أن يكون أحد تلك الأوصاف مما كان لها في الأزل.

ويستحيل أن تكون لم تزل تجتمع تارة وتفترق أخرى لا إلى أول لاستحالة تناهيها إلى آخر ما عليها من أحوال الاجتماع والافتراق لو كانت لم تزل بأحد هذين الوصفين، ويكشف عنه بأن يقال: لو كانت مرات كونها مجتمعة ومفترقة من غير نهاية لم تبلغ آخر كرّة(32) في الوجود لاستحالة قطعِ ما لا نهاية له وتعدادِ ما لا غاية لأحواله، ويبين عنه باستحالة تناهي الوهم في أعداده إذا ابتدأ بآخره وارتقى بوهمه ما أمكنه، ولو كان معدودا من الأول إليه لصحّ عدده من الآخر إلى الأول، وما لا يصح قطعه من أحد طرفيه بكماله لم يصح قطعه إلى الطرف الآخر إليه.

2ـ والدليل على حاجته إلى المحدِث أنه لم يخل في حدوثه من أن يكون لعينه أو لغيره خصّه بأحواله وهيئاته وخص هيئاته وصفاته به؛ ويستحيل حدوثه لعينه لاستحالة تخصيص الجنس بالحالّ والمحلّ على التباين والتغاير لعينه، وقد ثبت اشتراك الجنس في حقيقته وصفات العين فدلّ ما ذكرناه على مقدِّمٍ قدّم بعض الجنس على بعضه وخصّه بما فيه من أجناسه.

3ـ والدليل على قِدم من قدّم وأخّر وخصّ أنه لو كان مشاركا له في الحدوث لشاركه في الحاجة إلى المقدّم المؤخر المخصّص، ولو كان بهذا الوصف لاقتضى كلُّ محدَث محدَثا قبله ويستحيل وجود محدثات واحد قبل واحد لا إلى أول لاستحالة الجمع بين الحدوث ونفي الابتداء.

4ـ والدليل على نفي التشبيه أن التماثل يوجب الاشتراك في جميع صفات النفس وكان إحدى صفات لأنفسها الحدوث(33)، وقد بينا فساده من قبل.

5ـ والدليل على استحالة الحدّ والنهاية عليه أن النهاية توجب مقدار الجزء فما فوقه، ويستحيل وجوده على مقدار يصح في الوهم فوقه أو دونه إلا عن قاصد يخصّه بقدرةٍ كالفعل المحكم يصح في الوهم وقوعه على خلافه، ولا يجوز اختصاصه بوصفه إلا عن قاصد عالم يخصه به.

6ـ والدليل على استحالة كونه جسما أن الجسم في وجوده يشغل الحيِّز والمكان، ويستحيل أن يشغل الشيء الحيز والمكان المعلوم على الاختصاص مع صحة اختصاصه بغيره في الوهم إلا عن قصد، وذلك يوجب حدوث الكون أو النفس على اختصاصه بالحيز والمكان، وهذه دلالة الحدوث كما بيناه.

7ـ والدليل على استحالة كونه عرَضا استحالة كون العرض حيا عالما قادرا قاصدا وقد بينا حاجة الفعل إليه في حدوثه.

8ـ والدليل على استغنائه عن غيره أنه لو لم يكن مستغنيا عنه قبل الوجود لكان محتاجا إليه إلى حال الحدوث، ثم في وجوده رفع الحاجة التي تقدمته وذلك دليل الحدوث، ولا يكون ذلك إلا بحدوث معنى وبطلان غيره وتحقيقه الألم واللذة.

9ـ والدليل على أن المحدِث حيٌّ استحالةُ تعرِّي القائم بنفسه عن الوصف بأنه حي أو ميت أو موات، ولو كان ميتا أو مواتا لاستحال أن يكون مدركا، ويستحيل وجود الفعل ممن يستحيل منه الإدراك.

10ـ والدليل على كونه قادرا استحالة وجود الفعل ممن ليس بقادر عليه.

11ـ والدليل على كونه عالما مريدا استحالة ترتيب الفعل وترتيب العجائب والحيوانات من غير وجود حي عالم قادر مريد.

12ـ والدليل على كونه سميعا بصيرا استحالة وجود حي متعرّ عن الوصف بما يدرك به المسموع والمرئي والآفةِ المانعة منه؛ ويستحيل تخصيصه من أحد هذين الوصفين بالآفة لأنها منع، وذلك يقتضي مانعا وممنوعا، وذلك دليل الحدوث.

13ـ والدليل على أنه متكلم استحالة لزوم الخطاب ووجود الأمر والنهي ممن لا يكون متكلما.

14ـ والدليل على أن له حياة وقدرة وعلما وإرادة وسمعا وبصرا وكلاما استحالةُ إثبات الموجود بهذه الأوصاف مع نفي هذه الصفات ولزومُها عند وجودها له.

15ـ والدليل على أنه لم يزل موصوفا بها أن نفيها على تخصيصها يوجب إثبات أضدادها وفي وجودها منع الوصف له بضدها بعدها لاستحالة العدم على ما وصف بالقدم.

16ـ والدليل على أنها ليست متناهية ولا شيء منها يشبه شيئا من صفات المخلوقين أن التشبيه يوجب الاشتراك في جميع صفات النفس على الوجوب والجواز وإحدى صفات المخلوقين لنفسها حدوثها ويستحيل ذلك في صفاته لما قدمناه من الدلالة على قدمها.

17ـ والدليل على استحالة القول بأن الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام هي هو… حي قادر عالم مريد سميع بصير متكلم.

18ـ والدليل على استحالة القول بأنها أغيار له استحالة عدمها مع وجوده وذلك وصف لازم في جميع أغياره وهذا بعينه دليل على استحالة مفارقتها له.

19ـ والدليل على استحالة القول بأنها هي هو وغيره ما فيه من التناقض الذي يخرج الكلام عن الفهم.

20ـ والدليل على استحالة القول بالمجاورة أنها تقتضي المماسة والمحاذاة والمقارنة في المكان والحيز وكل ذلك من صفات الأجسام.

21ـ والدليل على استحالة القول بأنها تحله استحالة كونها مجاورة لما قامت به ولا يصح الحلول بغير هذا الوصف.

22ـ والدليل على استحالة القول بأنها تخالفه أن أهل الخطابة لا يطلقون هذه اللفظة إلا على المتغايرات وقد بينا فساده من قبل.

23ـ والدليل على استحالة القول بأنها توافقه ما في هذه اللفظة من إيهام المماثلة.

24ـ والدليل على أن قدرته تعم المقدورات وعلمه يعم المعلومات وإرادته تعم المرادات أن التخصيص في كل منها ببعض متعلقاته يوجب تناهيه في جهته وذلك دليل الحدوث وقد قدمنا الدلالة على قدمها.

25ـ والدليل على التوحيد أن حال الاثنين لا تخلو من صحة المخالفة أو تعذّر المناسبة فإن صحت المخالفة كان الممنوع من المراد موصوفا بالقهر وإن تعذرت المنازعة وصف كل واحد منهما بالعجز والتقصير وذلك منع من الإلهية فيهما جميعا.

26ـ والدليل على أنه شيء واحد كالدليل على أنه إله واحد.

27ـ والدليل على استحالة الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والمحاذاة والمقابلة والمماسة والمجاورة عليه أن الوصف له بأحد هذه المعاني بعد الوصف له بضده يوجب حدوث معنى فيه ثم يستحيل تعرّيه عنه وعن ضده ولم يجز تقدمه على جنسه.

28ـ والدليل على استحالة قيام شيء حادث به أن حدوثه فيه يوجب نفي ضد له قبله وهذا كالأول في فساده.

29ـ والدليل على استحالة بطلان الوصف الأزلي عنه أنه استحق الوصف بالبقاء في كل حال صحت الإشارة إليه ويستحيل عدمه لوجود ضده كما يستحيل جود ضده معه.

30ـ والدليل على أنه قائم بنفسه أن خلاف وصفه به يوجب أحد أوصاف ثلاثة إما أن يكون كالقائم بما لا يقال أنه نفسه فيستحيل كونه حيا قادرا أو تعلقه في وجوده بقدرة فيكون مخلوقا أو تعلقه بقدرة من يحدث له معنى يجانسه أو يخالفه وذلك يوجب مقارنة الفعل له.

31ـ والدليل على جواز الرؤية عليه أن استحالتها عليه توجب عدمه.

32ـ والدليل على استحالة الزوجة والولد عليه أن جميعه لا يصح إلا مع المباشرة ولا يصح المباشرة إلا على ذي حد والحد يدل على الحدوث.

33ـ والدليل على استحالة الشريك أن الشركة لا تكون إلا في أشياء يختص كل واحد من الشريكين ببعضها يبين ذلك عند التمييز ولا شيء يملك إلا وجميعه لله سبحانه.

34ـ والدليل على نفي الآفات عنه أنها تمنع من المدركات وذلك يقتضي في وجوده مانعا وممنوعا وهو دليل الحدوث.

35ـ والدليل على أنه قادر على إماتة كل حي سواه أنه خلق الحياة وقدرته على الشيء قدرة على ضده وهذا بعينه دليل على صحة الحياة بعد الموت.

36ـ والدليل على صحة إفناء الأجسام أن البقاء فعل له فيها فإذا لم يفعله وجب عدمها.

37ـ والدليل على صحة إعادة الأجسام أن العدم بعد الوجود يوجب وصف الموجود بما كان عليه قبل الوجود ولم يمنع ذلك الحدوث. فكذلك بعد الوجود لم يزل على اختصاصه بالقدم بقاؤه على الوصف كان عليه عند الاختراع. ثم من لم تزل قدرته كان قادرا على إيجاده في كل حال كان معدوما قبله.

38ـ والدليل على خلق الأجسام من غير نهاية ولا حصر استحالة تناهي قدرة القديم وصحة توهم الحدوث في المثل.

39ـ والدليل على إحياء ما يعيده ويخلقه أن المحل لا يخلو من المتضادين ولا يصح وجود وصف يقوم بجسم ليس له ضد فإذا وجد فيه أحد الضدين بقدرة القادر التي تصلح للضدين صح الثاني منه.

40ـ والدليل على صحة وصفه بالقدرة على كل ما يتوهم حدوثه استحالة تناهيه في قدرته والمنع منه يوجبه.

41ـ والدليل على جواز بعثة الرسل وتنزيل الكتب وإقامة الحجج وتعبد الخلق والثواب والعقاب أن جميعه مما يتوهم حدوثه وسلب القدرة عليه يوجب التناهي في الوصف.

42ـ والدليل على زوال الاعتراض عليه فيما يفعله أن ذلك لا يتوهم إلا ممّن يصح عليه الألم باللوم وفيه إيجابه ويستحيل ذلك في القديم سبحانه.

43ـ والدليل على استحالة وجوب الشيء عليه صحة الترك في القدرة ولو كان وصفه الوجوب لكان عدمه في تلك الحال يوجب الحدوث ولا يصح وصف الإله به ولا بالقدرة عليه.

44ـ والدليل على أن المعجزات تختص بالصادق ما تقرر في الوهم من صحة التفرقة بين الصادق والكاذب من جهة الدليل وفي إظهارها على أيدي الكذابين إفساد الأدلة ونقض ما تقرر من جهة التفرقة بين الصادق والكاذب.

45ـ والدليل على نفي الوجوب قبل الرسالة كون الإله موجبا للشيء تعبدا ومانعا منه استغناء وليس في العقل ما يوجب أحد الأمرين.

46ـ والدليل على صدق الرسل تخصيص كلٍّ بالمعجزة ولا تكون إلا مع الصادق.

47ـ والدليل على صحة ما كان معهم من المعجزات أنهم أظهروا أشياء ادعوا بها صدقهم واجتهد أعداؤهم في معارضتهم فلم يتأت لهم.

48ـ والدليل على صحة ما أوردوه من الشرائع وبانوا عنه من الوعد والوعيد أن الأمر والنهي والخبر من الله سبحانه يعلم بقولهم وقد قامت الدلالة على صدقهم.

49ـ والدليل القاطع على تخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة ما أورده من القرآن وتحدى به إلى المعارضة واجتهاد العرب وهم من أهل اللغة في إسقاط ما دعا إليه وانقطاعهم عنه واشتغالهم بغيره في تكذيبه وبذلهم للنفوس والأموال في بابه.

50ـ والدليل على أن عاقبة أهل الإيمان ومن لم يخرج إلى ملة الكفر الجنة الكتاب والسنة في مواضع عدة منها قوله سبحانه {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا: 18، 30} والمعرفة بما وصفناه من حسان الأمور وقوله صلى الله عليه وسلم «من كان في قلبه مثقال ذرة من المحبة دخل الجنة».

51ـ والدليل على صحة الإجماع لزوم الشريعة في كل عصر للأمة ولو جاز اجتماعهم على خلاف الملة لم يعلم وجود الادلة واشتبهت أحكام الشريعة وسقط معه التكليف.

52ـ والدليل على أن أصول الإسلام العبادات الخمس الخبر المروي على جهة الانتشار من قوله صلى الله عليه وسلم «بني الإسلام على خمس».

53ـ والدليل على جواز التقليد في أحكام الشريعة عند اشتباه حكم الحادثة ما تقرر بأوائل العقول أن ما كان في إثباته رده وفي إيجابه قطعه ممن كان ساقطا من أصله وفي تكليف الأمة بأسرها طلبَ الأدلة على أحكامها انقطاع عن معائشها وفي الانقطاع عنها انقطاع عن معرفتها.

54ـ والدليل على وجوب السؤال أن الأخذ بما يخطر له في أحكامه كشريعة يخترعها من نفسه وذلك ممنوع من فعله فوجب الرجوع إلى من يبين له أن الذي فعله أو تركه حكم لمن يطيعه ممن لزمه طاعته.

55ـ والدليل على وجوب طلب المجتهد فيما يريد أن يسأل عنه كالدليل على منعه من الحكم بما يريده فوجب طلب من يخبره عن الله سبحانه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذه مقدمة الإقرار ويجب عرضه على من أراد الإسلام فإذا عرفه بدليله لزمه الإقرار به فيكون تصديقا منه على التحقيق ومن عدم العبارة أو الإقرار لزمه الاعتقاد، ومن وجد الجميع لزمه الأمران لصحة المعاملة.

واختلف أهل الحق في لزوم الإقرار على الوحدة فقال قائلون إنه يجب لصحة الإيمان وقال آخرون إنه يجب لصحة المعاملة. ومن حصل له ما وصفناه لم يختلفوا في أنه مؤمن في الحكم والاسم وأنه لا يخرج بشيء يفعله أو يتركه بعده من جملة المؤمنين.

وصلى الله على سيدنا محمد

وآله وصحبه وسلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عقيدة أبي إسحاق الإسفراييني(418هـ)،وردت هذه العقيدة  ضمن كتاب:

richard M frank :classical islamic theology the asharites



 

شاركه على جوجل بلس

عن منتصر بوعجيلة

باحث في الدراسات الدينية المقارنة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire