فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. (التكوين ١: ١)
وليم ماكدونالد
معهد عمواس للكتاب المقدس يعمل بالنيابة عن اصحاب الحقوق لتفسير وليم مكدونالد
التكوين ١: ١
33:1-71- عصور الأرض المبكِّرة (أص 1- 11)
أ) الخليقة (أص1، 2) «في البدء خلق الله...» هذه الكلمات الأربع الأولى من الكتاب المقدس ترسي أساسًا للإيمان. صدِّق هذه الكلمات حينئذ تستطيع أن تصدق كل ما يلي ذلك في الكتاب المقدس. فسفر التكوين يمدنا بالتقرير الوحيد الموثوق به عن الخليقة. وهو مليء بالمعاني لجميع الناس في كل العصور ولا يستطيع أحد أن يحد أبعاده. والسجل الإلهي يفترض وجود الله ولا يحاول أن يبرهن ذلك. والكتاب المقدس يطلق على الذين اختاروا إنكار حقيقة وجود الله: الجهال (مز 14: 1؛ 53: 1). وكما أن الكتاب المقدس يبدأ بالله، هكذا ينبغي أن يكون هو أولاً في حياتنا.
تشارلز ماكنتوش
مكتبة الأخوة.
التكوين ١: ١ - ٣١
إن الإسلوب الذي يفتتح به الروح القدس هذا السفر البديع أسلوب فريد حقًا لأنه يقودنا مباشرة إلى الله بملء وجوده وتفرد صفاته وكمالاته: أسلوب يوقفنا أمام الله جلّ شأنه. وكأننا نسمعه يقاطع سكون الأزل باعثًا نوره في عملية إنشاء عالم يتجلى فيه بلاهوته وقوّته السرمدية. وهنا مجال لإشباع الدهشة العقيمة. ولا ميدان تركض فيه مُخيّلة الفكر الإنساني الضعيف، بل هو الحق الإلهي الصريح السامي بكل قوّته الأدبية التي تفعل في القلب وتؤثر على المدارك والوجدان. ذلك لأن روح الله لا يُغذي الدهشة البشرية العقيمة بعرض المستغربات في شكل نظريات كما يفعل العلماء الذين يفحصون طبقات الأرض ويحاولون أن يستنتجوا من أبحاثهم معلومات يظنون أنهم يكملون بها التاريخ الإلهي الموحي به أو يناقضونه أحيانًا، أو يدرسون الحفريات ليصوغوا منها ما شاءوا من نظريات.أما إنسان الله فيتمسك بأهداب الوحي ويبتهج به. فهو يقرأ ويؤمن ويعبد ويخشع الأمر الذي نرجوه ونحن ندرس هذا السفر المفتوح أمامنا وياليّتنا نفهم قوة الإلتجاء إلى المقادس فيصبح تأملنا كل صفحات الكتاب المقدس مقرونًا بالخشوع والتعبد اللائقين لإلهنا المعبود.«في البدء خلق الله السماوات والأرض»: استهلال يليق بجلال الله، غاية في البساطة والعمق في آن معًا. ولو أن انسانا هو مصدر ”الوحي“، لو أن إنسانًا هو صاحب ”الأقوال“ يصوغها أو ينتقيها ”بحكمته الإنسانية“، إذن لوجدنا أنفسنا أمام أبواق مدوّية، ومصطلحات معقدة ليحدثنا من خلالها عمن هو ”الله“، وعما صنعه، في محاولة عقيمة ليتخيّل من مستودع ”ذهنه المرفوض“ صورة ”الله“ ”غير المنظور“ لكي يبرر بها ما هو عتيد أن يعرضه من ”عظائم الله“ في الخلق، فيما ”عمل“ ”وصنع“ ”وجَبَل“ فأتقن.لكن طوبى لنا فإن المتكلم ”من السماء“. وأسلوب السماء هو الأرفع قدرًا، هو الأقدس غاية، وهو الأوّفق سبيلاً. «في البدء خلق الله السماوات والأرض». وليس الأسلوب وحده هو الذي يقودنا إلى الخشوع والسجود بل الحق كذلك، الحق الذي يفتتح به الكتاب المقدس كله: وهو حق لم يكن في مقدور أحد من البشر، ولن يكون، أن يكتشف بدون ”الله“ الخالق العظيم والمُعلن الوحيد بروحه القدوس.ففي عبارة موجزة من كلمات سبع ”وفق النص العبري“ يعطينا الروح القدس الإعلان لحقائق خطيرة. يعلنها ـ أول ما يعلنها ـ لشعب كان قد عرف آباؤه ”الله“ قبل صدور هذا الإعلان المكتوب، عرفوه بتناقل من الآباء للابناء: عرفوه كمن هو تعالى إله آبائهم ـ إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب ـ عرفوه تعالى باسمه ”أهيه“ وذلك قبل أن ”كتب موسى“ ـ عرفوه ”كايلوهيم“ كما يقول أبوهم إبراهيم «لما أتاهني ”إيلوهيم“ من بيت إبي» (تكوين 13:20). ولاشك أنهم عرفوه ”كالقدير“ طبقًا لإعلانه تعالى لإبراهيم ويعقوب (تكوين 1:17، 11:35،خروج 3:6).إذن فما الجديد الذي يحويه هذا الإعلان «في البدء خلق الله السماوات والأرض؟» الجديد أن يعرفوا أن ”إيلوهيم“ ”القدير“ إله آبائهم هو ”الخالق“ وتلك حقيقة رأي الله لزومًا أن يعلنها لشعبه، وأن يعلنها بقلم موسى الذي تهذب بكل حكمة المصريين، الذين كانت لهم آلهة كثيرة هي التي وقعت عليها أحكام الرب (خروج 12:12، عدد 4:33) كان من الضروري أن يعرفوا أن الإله الحقيقي هو خالق الكل، لأن الظلمة كانت قد سادت الأرض وعمّت الشعوب. بل إن شعب الله نفسه سواء في مصر أو في كنعان بعد ذلك ـ كان عُرضة أن ينسى هذه الحقيقة وينحرف إلى ضلالات الناس. كانت لهم ميول للتشبه بالأمم الذين كانوا حوّلهم في السياسة والدين (صموئيل الأول 5:8) ومن هنا كانت حتمية إعلان هذه الحقيقة العظيمة ”الله، خلق“ ومثلما كان الأمم يعبدون جند السماوات ـ ضمن ما يعبدون ـ فعل شعب الله الفعل ذاته، ساقطين في سهوة الهوة مرارًا كما تطالعنا النِّبوات. ومن هنا كان يجب من البداية ضمن تفصيلات الخليقة أن يعلموا أن السماوات وكل جندها إنما هي مخلوقات الله.وكان يجب أن يفهموا أن الأمر غير قاصر على ما شاء الله أن يخلقه في البدء، فإنه هو وحده الخالق على طول المدى ـ ذلك أنه بعد الذي خلقه في البدء نقرأ في الأصحاح الأول أنه «خلق التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه وكل طائر ذي جناح» (ع 21) ثم «ثم خلق الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرًا وانثى خلقهم» (ع27) والفعل ”خلق“ في العدد الذي أمامنا هو تعبير عن إيجاد شيء لم يكن له وجود سابق كما يقول الرسول «حتى لم يتكوّن ما يُرى مما هو ظاهر» (عبرانيين 2:11) ويقول الكتاب أن الله «يدعو الأشياء غيرالموجودة» وكالخالق يهبها الوجود لكي تكون ”موجودة“. فالله تعالى خلق ”السماوات والأرض“ من لا شيء ـ لم يخلقها من ”مادة“ أو ”خامة“ كانت موجودة من قبل كما يزعم المتفلسفون ـ لكأن المادة أزلية ـ ولا عجب فتلك خديعة إبليس عند العلماء أو أشباه العلماء إذ قصد أن يبعدهم عن الله بأي أسلوب.إن الفعل ”خلق“ هو إيذان ببدء الخليقة (أنظر إشعياء 18:45؛ مزمور 6:95؛ رومية 25:1؛ يوحنا 3:1؛ كولوسي 16:1) هو مؤشر للزمن ولو أنه لا صلة له بالإنسان والبيئة المرتبطة به التي نراها في الأعداد من 3 فصاعدا ـ تلك التي تحدثنا عن الستة الأيام التي شاء الله أن يعيد فيها تنظيم ما كان قد ”خرب وخلا“ كما سيجيء الكلام في حينه.«في البدء» تلك حقيقة يقررها الروح القدس أن للكون ”بدءًا“ فهو ليس أزليًا ـ أنه لم يستمد كيانه من ذاته كما يحاول بعض الناس أن يخلعوا عليه طابع التأليه الأزلي. وقد خضع العلم أخيرًا لهذه الحقيقة الكتابية حين أعلن أن لكل شيء بدءًا ـ للانسان بدء، وللحيونات الثديية والطيور والزواحف والأسماك وسائر الحيوانات والنباتات بدء ـ للحياة بدء ـ لسلاسل الجبال والوديان واليابسة والبحار والصخور بدء ـ للارض وللأجرام السماوية والشموس بدء (1).أما متى كان هذا ”البدء“ فذلك موضوع لم تتعرض له كلمة الله لاسيما وأن أداة التعريف ”لل“ غير واردة في النَص العبري ولأن الستة الأيام ”الحرفية“ لا تدخل في نطاق هذا ”البدء“ ـ الأمر الذي سوف يعرض لنا الكلام عنه فيما بعد. فإن علماء الجيولوجيا أطلقوا العنان لخيالهم ودراساتهم للحفريات المنوّعة فطوحوا بذلك ”البدء“ إلى ملايين من السنين في حين أن «الأوقات والأيام والسنين» لم تتحدد إلا في اليوم الرابع من ستة أيام ”تنظيم الخليقة“ (تكوين 14:1) إنما الأمر الوحيد الذي نفهمه هو أن ”بدءًا“ ما توسط بين الأزلية والأبدية فيه نرى إيلوهيم ”الله“ خالقًا فهو ”بدء“ تاريخي مرتبط بالكون الظاهر ـ بدء قصد الله أن يُعلن عنه أولاً للشعب الأرضي الذي تدخل ”الأزمنة والأوقات“ في منطقة خواصه ـ وإذا كانت ملايين السنين التي ذهب إليها العلماء صحيحة فهي لا تتعارض بالمرة مع نص الكتاب.على أن شيئًا أسمى قد استبقاه الله لنا نحن الذين ”قبلنا“ الرب يسوع، الكلمة، الحيّ، الواجب الوجود متجسدًا في ملء الزمان. ففي مستهل إنجيل يوحنا وكذروة إعلانات العهد الجديد نقرأ عن ”البدء“ الذي لا يعرف التاريخ سبيله إليه. البدء الأزلي ـ الذي فيه ”كان“ الله، وفيه «كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله».وهل كان يمكن لأولئك الذين «بأكثرهم لم يُسَر الله» أن يتقبلوا إعلانًا خطيرًا كهذا وهم ليسوا «شركاء الطبيعة الإلهية»؟ ـ الحقيقة أن ذلك الإعلان الخطير إنما جاء لأولئك الذين أعطاهم الله «سلطانًا أن يصيروا أولاد الله».فإن كان ”بدء“ التكوين يعود بنا إلى أوليات المنظور فإن ”بدء“ إنجيل يوحنا يوقفنا أمام جلال الأزل في وقار وسجود ـ في بدء التكوين نرى ”عظائم“ الله فنسجد، وفي ”البدء“بحسب يوحنا نرى ”الله“ فنسكت قدامه ـ المجد لإلهنا في كل مواضع سلطانه.”في البدء خلق إيلوهيم“ وهنا الحقيقة الثالثة التي تستحق منا كل سجود وخشوع ـ فقد وقفنا عند حقيقة الخلق، ثم وقفنا عند ”بدء“ الكون مخلوقًا وها نحن نقف أمام الحقيقة الثالثة ”إيلوهيم“ ـ وما أعجب كلمة إلهنا! وما أسعدنا إذ وضع الله بين أيدينا ما يؤهلنا أن نكون «مستعدين لمجاوبة كل من يسألنا» عن حقيقة الثالوث الأقدس! فهي من الأوليات التي سجلها الروح القدس: ”إيلوهيم“ لفظ جمع، مفردة في العبرية ”إيلوه“ (2) وقد جاءت صيغة المفرد 57 مرة، وهي صيغة توحي بفكرة القوة كما نقرأ مثلاً في (تثنية 32) «فرفض ”أي الشعب“ أيلوه الذي عمله … ذبحوا لأوثان ليست أيلوه» (أعمال 15ـ17) وكما نقرأ أيضًا في (نحميا 16:9ـ19) «وأنت أيلوه غفور … وقالوا هذا أيلوهيم الذي أخرجك من مصر». وقد جاءت صيغة الجمع 2700 مرة ـ نعم فالإله الذي نعبده له (1) قوة خارقة، ثم (2) غدرة غالبة، ثم (3) ذات تتبايّن مع كل ما يُدعى إلهًا.وفي نور العهد الجديد نعرف أن ”ايلوهيم“ هم أقانيم اللاهوت الثلاثة: الآب والإبن والروح القدس. نعم فالآب خالق، والإبن خالق، والروح القدس خالق ـ للآب دور في الخليقة «منه جميع الأشياء» وللإبن دوره «به جميع الأشياء» (كورنثوس الأولى 6:8) ـ «به عمل العالمين» «الكل به وله قد خُلق»، وللروح القدس دوره «بنفخته السماوات مسفرة» أو «بروحه زيَّن السماوات» (أيوب 13:26). إذن ”ففي البدء خلق ايلوهيم السماوات والأرض“ أي أنه تعالى خلق السماوات بشموسها وأقمارها ونجومها بكل تلك الأجرام التي لا حصر ولا استقصاء لها ولأبعادها ولأحجامها. كما خلق الأرض بحسب فكره الإلهي سوية لا ينقصها شيء، لم يخلقها باطلاً ”خربة“ للسكن صورها (إشعياء 18:45).تلك ـ إذن ـ هي صورة الكون صادرة من قدرة الله، كاملة متقنة ـ ترنمت لمرآها كواكب الصبح معًا وهتف بني الله، ونقرؤها نحن المؤمنين في أول أسفار الكتاب فنهتف مع المرنم «ما أعظم أعمالك يا رب كلها بحكمة صنعت» ـ بينما بعض عمالقة العلم والفلسفة لا يزالون يتعثرون في ظلمة نظرياتهم التي تظهر اليوم وتبلى غدًا! هكذا حالهم إذ ”أعوّزهم“ إيمان مختاري الله الذي به وحده ”نفهم“.«وكانت الأرض خربة خالية». يا للهول! الأرض التي رأيناها في العدد الأول مخلوقة جميلة ”بكلمة الرب“ ما الذي أصابها؟ لاشك أن عدوًا صنع هذا. هو تخريب طاريء، ليس أصيلاً في ما خلق الله، ولو تأملنا هذين الشاهدين لعرفنا أن ”الخراب والخلاء“ هما في الكتاب دائمًا نتيجة أو أثر للشر. ففي (إشعياء 11:34) نقرأ القول «ويمد عليها ”أي على أرض أدوم“ خيط الخراب ومطمار الخلاء» وهذا طبيعي ـ نتيجة لشرور أدوم، ولا داعي للتفصيل ـ ثم نقرأ في (إرميا 23:4) القول «نظرت إلى الأرض ”أي أرض إسرائيل التي صعد شر أعمالها إلى الله“ وإذا هي خربة وخالية».ولئن حاول المجتهدون أن يعللوا ـ بالعقلية الكتابية ـ السبب الأصلي في هذا التدهور فإننا نحن المؤمنين لا يسعنا إلا أن نقف موقف التعبد إزاء حكمة الله التي سمحت بهذا التدهور ولو أننا نستريح على فكرة أن نكبة كوّنية أصابت ”الصورة“ الجميلة التي بدّت فيها الخليقة ـ أول ما بدّت ـ بحيث ظهرت الأرض في صورة ”الخراب والخلاء“ أو الخواء.«وكانت الأرض» ـ لقد وجد البعض في حرف ”الواو“ فرصة لإبتكار نظرية كلها إهانة لله تبارك اسمه ـ فقالوا أن حالة الخراب والخواء التي يقدمها هذا الحرف كانت هي نقطة الإبتداء التي من عندها «خلق الله السماوات والأرض» لكنها فكرة غاية في السخف، لأننا نجد في ”بدء“ العدد الأول صوتًا مدوّيًا يقطع صمت الأزل، فهل كان الخراب والخلاء منذ الأزل؟ يا للعار! ان تصدر هذه الإهانة من قوم يدعون أنهم من العالم المسيحي المستنير!.إنما الصحيح أن الله ”خلق“ الكل وأتقنه، خلق الكل لمجده وحمده، خلق الكل كاملاً فسجد له الملائكة هاتفين، وما حرف الواو، إلا استهلالاً لفترة زمنية نستطيع أن نحسب مداها بما يقرب من ستة آلاف من السنين، فترة كانت بدايتها ”ستة أيام“ حرفية شاء الله أن يعيد فيها تنظيم ”جند السماوات“ وتعمير ”الأرض“. ومن هذه الفترة الزمنية أخذ ”اليوم“ مكانه ”بمسائه وصباحه“.وهنا نصارح الذين قدموا ”اليوم“ قبل موعد ولادته إذ حسبوا أن ”بدء“ العدد الأول هو عين بدء وجود الحياة الآدمية ـ فصارحهم بأنهم بحسابهم المغلوط هذا وضعوا بين أيدي المتشككين سلاحًا ضد الحقائق الإلهية التي لا تتعارض مع فكرة الأحقاب التي أعقبت ”بدء“ العدد الأول واحتلَّت مساحة ضخمة جدًا من الزمن اختلف علماء الجيولوجيا في تحديد أبعادها ولو أنهم حصروها في مجموعة من الأحقاب المتعاقبة طبقًا لدراسة مختلف الحفريات النباتية والحيوانية.إذن فهناك فاصل دهري بين العدد الأول والعدد الثاني: فاصل تعاقبت فيه العصور الجيولوجية وأتّسم بعد ذلك بنكبة أصابت الأرض على الأقل ـ ولم يشأ الله في حكمته أن يحدثنا عن علة ذلك الخراب. إذ ما العلاقة بين تلك الإنقلابات الطبيعية والخراب الذي لحق الأرض وبين شعب الله؟ فكل ما في الأمر أن الروح القدس ”ساق“ موسى أن يشير إلى حالة الخراب التي أحاقت بالأرض قبل ”الأيام“ التي فيها تنازل الله وتدخل بنفس السلطان والقوة والحكمة التب بها «خلق السماوات والأرض» في البدء ـ تدخل لكي يعد الأرض للسكن، لسكن الجنس البشري كما يقول «لم يخلقها باطلاً ”خربة“ للسكن صوّرها» (إشعياء 18:45). وليس في الكتاب ما ينفي تعاقب المخلوقات من حالة دنيا إلى أرقى منها ”ماعدا الإنسان وبيئته“ فكم من شروخ في سلاسل الجبال يصطدم بها عمال المناجم تشير إلى تقلبات مفاجئة وقعت في فترات مختلفة وما حدث للجبال حدث مثله في عالم النباتات، الحياة في البحار، والحيوانات الدُنيا و الأرقى: فيما خلا البيئة التي صاحبت وجود الإنسان على الأرض.وهنا سؤال يفرض نفسه: هل يسمح الله الخالق العظيم أن يترك الخليقة التي في البدء أتقنها وشأنها؟ كلا! فإن تلك الحكمة التي يشيد بها المرنم فيما يتصل بالمرئيات الحالية من جبال وبحار ووديان وحيوانات وطيور …الخ (مزمور 104) يمكن أن تنطبق أيضًا على ما كان يجري في بطن الأرض في تلك الأحقاب «ما أعظم أعمالك يا رب. كلها بحكمة صنعت» فقد كان تعالى. كالخالق العظيم الحكيم، يخلق تلك المخلوقات التي أصبحت حفريات: يخلقها على أطوار، طورًا بعد طور؛ من الأدنى إلى الأرقى، سواء كانت حيوانية أو نباتية. حتى جاء آخر وأرقى الأطوار وهو طور الثدييات العُليا والطيور والأشجار ـ وكان الخلق في كل طور يستمر في السلالات لمدة عصره. ففي هذه الأحقاب تكوّنت سلاسل الجبال بكل ما تحويه من كنوز دفينة بقيَت هكذا لخير البشر. وإلا فأين نجد في الستة الأيام الحرفية التالية ذكرًا لتكوين الصخور النارية والرسوبية والتحولية؟ أين نجد ارتفاع سلاسل الجبال وآثار النظم النهرية؟ أين تعاقب المخلفات العضوية من بحرية وبرية، من نبات وحيوان، من جديد يعقب منقرضًا؟ أين نجد تفاصيل القول الإلهي «مقاصير الأرض وخزائن الجبال؟». إذا كانت حالة الخراب هذه ذات موضوع للبشرية، فلولاها ما استطاع الإنسان أن يصل إلى باطن الأرض كما يقول أيوب (ص 29) ليفيد من مخزونها العظيم؟ من خيوط الذهب وسبائك الفضة والأحجار الكريمة والمرمر والأردواز والجرانيت: تلك التي كان الله الخالق الأمين قد سبق وأعدها قبل خلق الإنسان. فيسبب ذلك الخراب ارتفع إلى الطبقات العُليا من القشرة الأرضية بعض الدفائن.لقد عرفنا مدلول كلمة ”خربة“ وإن هذه لم تكن الحالة الأصلية لخليقة الله وإنما هي نتيجة قضائية. ذلك أننا نقرأ في نِّبوة أرميا هذا القول «نظرت إلى الأرض وإذا هي خربة وخالية؛ وإلى السماوات فلا نور لها» وأنت تعلم إن هذا ليس عين ما نجده في هذا الفصل من سفر التكوين، إنما هو وصف لأرض إسرائيل في زمن إرميا ولو أن الوصفين يتوافقان ويتناظران، بدليل ما جاء بعد ذلك «لأنه هكذا قال الرب خرابًا تكون كل الأرض وتظلم السماوات من فوق» (إرميا 4). فالخراب وظلام السماوات هنا عمل قضائي. وكذلك كان في زمان (تكوين 1) أنه نتيجة قضاء بسبب ”العدو“ الذي لا نريد أن نتعرض له.لكن ما هو مفهوم كلمة ”خالية“؟ هل كانت الأرض معمورة قبل ذلك؟ ليس باليقين هكذا، وإنما اللفظ يعني أنها كانت ”خواء“ لا تصلح ”للسكن“ كما قصد الخالق الأمين العظيم، وقد يصح أن نقول أنها ”خلّت“ من المخلوقات الحقبية التي أصبحت حفريات، سواء كانت حيوانية أو نباتية كما أشرنا فيما مضى.«وعلى الأرض ظلمة» إن الناس مع الأسف أقاموا من هذه العبارة صرحًا مما يتعارض مع فكر الله وكمال عمله مع أن الأمر في غاية البساطة. فالأرض، على أثر النكبة الكوّنية التي تحدثنا عنها غمرتها المياه فغاصت تحتها ولم يكن ظاهرًا سوى تلك المياه الغامرة التي أزاحها الله في اليوم الثالث ـ يوم القيامة ـ لكي تظهر اليابسة وكأنها ولدت ولادة جديدة.ولكن لماذا ”الظلمة“؟ ألم يخلق الله ـ في البدء ـ السماوات بشمسها وقمرها ونجومها؟ هل النكبة أصابتها كما لحقت بالأرض؟ ليس بالضبط هكذا، وإنما أوقفت علاقتها بالأرض، بحيث لم تعد أنوارها تضيء الأرض ـ والظلمة ـ كحالة ـ ليست سوى الدليل على غياب حالة النور. وهنا يتجلى أمام بصرنا مشهد لا يمكن لغير الله أن يمثل دوره فيه. لم يكن للإنسان شأن فيه البتة لأنه لم يكن بعد في الوجود: إذ هو أيضًا من مخلوقات قدرة الله الفعالة. ففي دور الخليقة كان الله منفردًا بالوجود السرمدي؛ فتطلع نحو هذا الفضاء والفراغ ورأي فيه دائرة سيمثل فيها مقاصده ومشوراته العجيبة التي كان مزمعًا أن ينفذها ويُعلنها ـ دائرة الكون التي كان إبن الله مزمعًا أن يعيش فيها ويتألم ويسفك دمه الكريم بموت الصليب لكي يظهر في الدهور الآتية غنى نعمته الفائقة ـ لقد كانت «على وجه الغمر ظلمة» ولكن «الله نور وليس فيه ظلمة البتة». والظلمة والتشويش لا يقفان قدامه سواء فيما يتعلق بالعالم المادي الذي نحن بصدد الكلام عنه أو النواحي الأدبية والروحية كما سيجيء الكلام في حينه.«وروح الله يرف على وجه المياه» طوبى لنا أن نعرف إلهنا «الخالق الأمين» إن المبدأ الإلهي «عن المساء يبيت البكاء وفي الصباح ترنم» (مزمور 5:30) هذا المبدأ قائم في الميدانين المادي والروحي.لقد ساد الخراب والخواء والظلام ولكن ها هو روح الله يبدأ عملية التعمير والإنارة، إذ كان يرف بحنوّ حول ”مسكونة أرضه“ العتيد أن يعمرها ”بنو آدم“ ويشرفها ”رب المجد“ ”الإنسان الثاني“وما أجمل الإقتباس «كطيور مُرفة هكذا يحامي رب الجنود … فينقذ ـ يعفو فيُنجي» (إشعياء 5:31) فهو يحوم حول دائرة عمله المستقبلة، وكان المنظر حالكًا جدًا ولكن روح الله وجد فيه مجالاً لإشراق نوره، إذ هو وحده الذي يقدر أن يغيّر الظلمة ويبددها ويعطي الحياة والسلام بدل التشويش.لقد جاء الوقت لكي يتمتع الله بلذاته ”مع بني آدم“. وهنا فترة الإنتقال السعيدة ـ بين رياح تقصف وتزعزع وبين ”الروح“ يرف حانيًا رؤوفًا. ذلك أن عجائب وعظائم توشك أن تظهر وتدوم. والروح القدس يظهر في الوقت المناسب، عند إقتراب ظهور أرض الإنسان. ففي الوصف السابق الذي لم تكن له علاقة بالإنسان كان صمت تام فيما يتعلق بدور روح الله؛ أما الآن فتبدأ عملية الإحياء بقصد إنشاء الخليقة المنظمة «ترسل روحك …فتجدد وجه الأرض».وأنظر ـ أخي ـ إلى الترابط العجيب بين أجزاء الكتاب المقدس من أول الكتاب وإلى آخره، في صورة ثابتة. كما عَلَّمَنَا سيدنا المبارك عن الرابطة بين الروح والماء في (يوحنا 3) هكذا نجد في صدر الكتاب الرابطة عيّنها ولغرض مماثل للولادة التي شرحها سيدنا المعبود. فإن كنا في العبارة السابقة وجدنا روح الله يرِف فيها نحن مزمعون أن نقرأ التوأم الآخر ”وقال الله“:في العدد الأول وجدنا ”إيلوهيم“ ”الكل في الكل“، بحيث لم نقرأ عن عمل مفرد لأقنوم واحد من أقانيم اللاهوت. ولكن حينما يبدأ ”الزمان“ دوره بفاتحة الستة الأيام نبدأ نقرأ عن عمل مفرد ”لروح الله“ ثم عن عمل آخر ”للكلمة“ ”قال الله“. وهي نفس الحقيقة التي نتعلمها من (كورنثوس الأولى 15) حيث بعد نهاية العمل الوساطي الذي يقوم به ”الإبن“ له كل المجد في إدارة دفة المُلك، وعند مشارف الأبدية، يكون ”الله الكل في الكل“. ونحن نعلم إن قترة ”الزمان“ التي قد توسطّت تميَّزت بتدخل ”الكلمة“ الذي «صار جسدًا» ثم بتدخل الروح في الخليقة الجديدة بكل مراحلها.هكذا هنا: فكما رأينا ”روح الله“ يرف كذلك نقرأ «وقال الله ليكن نور فكان نور».هذه الأقوال مع بساطتها نرى في خلالها صفات الله جلّ شأنه «يقول فيكون ويأمر فيصير» فالكافر قد يسأل ”كيف ومتى؟ وأين؟» أما المؤمن فيجيب «بالإيمان نفهم أن العالمين أُتقنت بكلمة الله حتى لم يتكوّن ما يُرى مما هو ظاهر» (عبرانيين 3:11) وفي هذا القدر كفاية للروح الوديع. فالفيلسوف قد يضحك ساخرًا ويدّعي أن هذا هو الجهل الطليق أو التسليم الأعمى الذي لا ينطبق سوى على روح عصور البدائية الأولى ولا يليق بقوم وُجِدُوا في عصر المدنية، عندهم من النور بفضل المتاحف والمناظير ما لم يحلم به كتبة الوحي قديمًا. ويالها من حكمة! بل ياله من علم! ولكن أليست هذه بالحري هي السخافة ومنتهي الجهل؟ بل ياله من عجز عن إدراك غرض وقصد الكتاب المقدس! إذ ليست غاية الله تخريج علماء أو فلكيين. ولا غرضه أن يشغلنا بتفاصيل ميكروسكوبية أو تيلسكوبية يهتم بها طلاب العلم. إنما غايته أن يأتي بنا إليه كساجدين خاضعة قلوبنا ومتعلمة أذهاننا من كلمته المقدسة. أما الفيلسوف فلا يعنيه ذلك بل نراه يسخر بما يدعوه فصر إدارك وتمسكًا أعمى بالكلمة. وبواسطة منظاره يصل إلى أبعاد في السماوات، وبفكره يجول في الفضاء، وإذ ينقب في طبقات الأرض فاحصًا ما فيها من حفريات الحيوانات يظن أنه بهذه الوسائط ينقح رواية الكتاب المقدس أو يناقضها إذا أمكن مفاخرًا في ذلك ومستعملاً كل مجاهرة.أما نحن فلا شأن لنا مع ”مباحثات العلم الكاذب“ لأننا نعتقد أن كل إكتشاف صحيح سواء كان ما في السماوات من فوق أو ما على الأرض من تحت يجب أن يطابق المكتوب في كلمة الله. وكل محب لأقوال الله يهزأ بما يناقضها ولا يبالي به. وفي هذا راحة لقلب المؤمن في أيام كهذه كثُرت فيها الأقاويل والنظريات العقلية الكفرية الفاسدة. ويجب أن يتثبت القلب بالتمام من جهة كفاية كلام الله وسلطانه وكماله وتأثيره. وهذا هو النداء القوي ضد أبحاث العلماء الفلسفية العقلية والتقاليد الخرافية. والإلمام بكلمة الله والخضوع لها وحدها هما حاجتنا في الوقت الحاضر وياليت الرب بنعمته يهبنا هذا وذاك معًا.«ورأي الله النور وإذا هو حسن وفصل الله بين النور والظلمة ودعا الله النور نهارًا والظلمة دعاها ليلاً» هنا نقرأ عن رمزين يكثر ورودهما في كلمة الله ولهما شأن كبير فيها. فحيث يوجد النور هناك نهار. ومتى غاب النور فهناك ليل. هكذا حال النفس. فيوجد ”أبناء نور“ كما يوجد ”أبناء ظلمة“ وهما شطران يمتاز أحدهما عن الآخر. فجميع الذين أشرق عليهم نور الحياة وافتقدهم ”نور من العلاء“ كل الذين أشرق في قلوبهم نور الله لإنارة معرفة مجده تعالى في وجه يسوع المسيح ـ هؤلاء أجمعون أيًا كانوا أو أينما كانوا هم من الفئة الأولى ”أبناء نور“ و”أبناء نهار“.ومن الجهة الأخرى كل الذين لا يزالون في ظلمة طبيعية وعمى طبيعي وعدم إيمان طبيعي، أة الذين لم يقبلوا في قلوبهم بالإيمان أشعة شمس البر اللامعة، هم في ظلمة ليل روحي ”أبناء ظلمة“ ”وأبناء ليل“.وهنا أرجوك أيها القاريء العزيز أن تتمهل قليلاً وأنت في حضرة فاحص القلوب ريثما تسأل نفسك من أي الفريقين أنت الآن؟ أما كونك لابد أن تكون منتميًا لأحدهما فهذا أمر لا يقبل الجدال. قد تكون واحدًا من عامة الناس المحتقرين المساكين ولكنك إذا كنت بالنعمة قد ارتبطت بإبن الله ”نور العالم“ فأنت من ”أبناء النهار“ ولاشك أنك ستضيء عما قريب في السماء حيث المجد الأبدي حول ”الخروف المذبوح“ الذي هو «كالشمس وهي تضيء في قوتها» هذا ليس من عمل يعزي لك بل هو نتيجة مشورات الله ومقاصده الأزلية. هو الذي أعطاك نورًا وحياة ووهبك فرحًا وسلامًا بالرب يسوع وكفارته الكاملة. أما إذا كنت لم تزل بعيدًا عن عمل وتأثير نور الله المقدس ولم تنفتح بعد عيناك لتبصر جمال إبن الله ”ولو كان لك علم نيوتن وكنوز الفلسفة البشرية وأوتيَّت قوة الذكاء الإنساني وتوشحت بأسمى ألقاب الشرف ولبست أفخر النياشين وتخرجت من أشهر مدارس وكُليات العالم الحاضر“ فأنت لا تزال من ”أبناء الظلمة“ و”أبناء الليل“ وإذا مُت في حالتك هذه فأنك تطرح في الظلمة الخارجية والليل الأبدي. فأرجوك أيها القاريء الحبيب أن لا تقلب صفحة أخرى قبل أن تتيقن أولاً من أنك ”من أبناء النهار“.هذه إذن بداية ”عمل“ الله في الستة الأيام التي شاء أن يعيد فيها تنظيم ”مسكونة أرضه“ «وقال الله ليكن نور» الله يتكلم، الله يأمر، وهل يسع الطبيعة إلا أن تُطيع؟ إن الله يتكلم طبقًا لما هو في ذاته، طبقًا لطبيعته ”النور“ إذ لا يمكن أن الله يعمل إلا في ”النور“ «ليكن نور» ـ هذا ليس خلقًا أو إنشاء للنور، بل هو أمر إلهي للنور أن ”يكون“. هو استدعاء له من دائرة وجوده للوجود في دائرة الأرض ـ فقد كان موجودًا منذ ”البدء“ منذ خلق الله ”السماوات والأرض“ ففي خلال الأحقاب المديدة التي سبقت الأيام الستة عاشت حيوانات كان لها عيون تبصر بها، وكذلك وُجِدَت نباتات إحتاج نموها إلى النور الذي كان عاملاً لحياتها ونموها كما تدل الحفريات الحيوانية والنباتية.«فكان نور» فذاك الذي ”قال“ تنفذ قوله ”فكان“ وذاك الذي ”أمر“ تَنَفَذ أمره ”فصار“ «لأنه قال فكان، هو أمر فصار» (مزمور 9:33) وأخذت حالة النور مكانها بالنسبة للأرض، واضاءت المسكونة مشرقة حلوة؛ «فالنور حلو» (جامعة 7:11) وهكذا «فرح الرب بأعماله» (مزمور 31:104) «ورأي الله النور أنه حسن» والباكورة في كل شيء هي الله، ومن هنا مسرته بما ”عمل“.«وفصل الله بين النور والظلمة ودعا الله النور نهارًا والظلمة دعاها ليلاً ـ وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا» أو ”يومًا أول“. أعني أن الظلمة التي كانت غامرة قد انقشعت أمام إشراق النور؛ وكان ذلك ناموسًا طبيعيًا وأدبيًا وروحيًا: إن النور والظلمة منفصلان، لا يجتمعان وها هو الله تعالى يطلق الأسماء على النهار والليل كمن «له النهار وله أيضًا الليل» (مزمور 16:74). وأبتداء من هنا كان مساء ”هو مظهر إنحسار النور عن نصف كرة الأرض. إلى ليل“ وكان صباح ”هو الإشراقة الأولى للنهار في النصف الآخر من كرة الأرض“: أثر دورة الأرض أمام النور، وذلك قبل أن تأخذ دورتها الحالية حول الشمس، الأمر الذي نبدأ نراه في اليوم الرابع. وهكذا نفهم الحساب الأول لبداية اليوم ”يومًا“ أول، وهو الحساب الشرقي الذي يتغلغل في الكتاب المقدس بحيث أن إغفال بعض الكُتاب لحقيقته أوقعهم في أخطاء كثيرة، تأثرت بها أحداث في الأناجيل الأربعة وبخاصة فيما يتعلق بصلب ربنا يسوع المسيح وقيامته.ولعل القاريء ليس بحاجة لأن نؤكد له أن ”اليوم“ في هذا العدد والأعداد التالية، هو اليوم المألوف لدينا، اليوم بساعاته الأربع والعشرين. وهوذا موسى يقول بروح الله «ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك … لأن في ستة أيام» نظير ستة أيام عمل الإنسان «صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع» (خروج 9:20ـ11) وإذا كنا نأخذ اليوم السابع مأخذًا حرفيًا فلماذا لا نأخذ الستة الأيام بنفس الحساب؟ لماذا يقحمونها على عهد الأحقاب الذي كان قد انتهي ببداية الستة الأيام، بعد أن أدت الأحقاب دورها كما أشرنا؟والآن ننتقل من الميدان المادي للخليقة إلى الميدان الروحي ومن بعده إلى الميدان التدبيري.أما أولاً فقد قرأنا عن خليقة أولية، ثم عن سقوط فخراب؛ عن ”سموات وأرض“ أتقنها الخالق العظيم، ثم عن أرض يغمرها ظلام قاتم، أرض طواها ”غمر“ المياه المضطربة. وتلك صورة لحالة الإنسان ساقطًا، بعيدًا عن الله! فوّضى شاملة، ظلمة حالكة، انفعالات هائجة تلف حطامًا كان أولاً غاية في الحُسن «أما الأشرار فكالبحر المضطرب لأنه لا يستطيع أن يهدأ وتقذف مياهه حماة وطينًا» (إشعياء 20:57).وهل في مشهد كهذا يجد الله لذة أو راحة؟ مشهد هو أثر من آثار قوة الخطية والشيطان. مشهد تغيب عنه معرفة الله. لكن هنا يبدأ ”روح الله“ يعمل إذ يرف إيذانا ”بولادة“ جديدة. ولفظ ”يرف“ يوحي بالإهتمام الحُبي الحاني كما نقرأ القول «كما يحرك النسر عشه وعلى فراخه يَرِفُ» (تثنية 11:32) وكما كان روح الله يرف ويحوم على وجه المياه من أجل ”الأرض“ هكذا بالنسبة لعالم ساقط محطم تطويه الخطية لابد من حركة يديرها الروح القدس في النفس البشرية، بداية الثمر لله. لابد من الولادة من فوق وإلا فلا جدوى من إشراق النور الإلهي. وهو مبدأ ثابت في جميع العصور والتدابير، حتى لقد قيل «لكن يسوع لم يأتمنهم على نفسه لأنه كان يعرف الجميع، ولأنه لم يكن محتاجًا أن يشهد أحد عن الإنسان لأنه علم ما كان في الإنسان» (يوحنا 24:2و25) ومن هنا صدرت عن شخصه الكريم تلك الكلمات الحافلة «ينبغي أن تولدوا من فوق. الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. هكذا كل من ولِدَ من الروح» (يوحنا 7:3و8) فالكرازة بالإنجيل لا تجدي نفعًا ما لم يعمل الله في النفس بروحه القدوس: ذلك إن الإنسان الساقط الخاطيء، الهالك بلا رجاء، لا يريد الله، فإذا فاجأه نور الله في المسيح يبغضه ويرفضه.«وقال الله ليكن نور فكان نور» مكتوب ”فَتح“ أو ”مدخل كلامك ينير“ وها هي بداية أقوال الله في سفر التكوين أي في الكتاب. أي أن اليوم الأول يقدم لنا النور بوصفه ”فتح كلام الله“. والنور هو الكشاف لحقيقة الخليقة، لأنه أشرق ـ أول ما اشرق ـ على خراب. فلم يكن شيء قد تغيَّر سوى إن الظلمة توارت أمام النور. وهذا في الواقع إعلان عن دخول المسيح في المشهد، لأنه هو النور الحقيقي الذي أضاء على طول التاريخ. فقبل أن يظهر بالجسد أشرق نوره في الوعد قبل أربعة آلاف سنة. وطوال أزمنة العهد القديم كان نور الوعد يشرق ويزداد إشراقًا حتى جاء النور الحقيقي بمجيئه له المجد شخصيًا، وبموته وقيامته وتمجيده في يمين الله. «لأن الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح» (كورنثوس الثانية 6:4). هذا هو ملء مجد النور. على أن النور كان ”حسنًا“ للوهلة الأولى: ما أجمله في (تكوين 15:3) «هو يسحق رأسك» وما أجمله في (تكوين 18:22) «ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض».«وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا» أو «يومًا أول» ـ أعني أن ”المساء“ لا ”الليل“ ـ ”والصباح“ لا ”النهار“ هما اللذان يكونان ”اليوم“. ومع ذلك ولو أن الظلمة هي في ذاتها ”ليل“، غير أننا نفهم أنها لم تعد بعد ليلاً مطلقًا، بل هناك ”مساء“ فيه بعض شعاعات النهار؛ وفي نظام الله فإن المساء يفسح المكان للصباح. ولكن لاحظ أيها القاريء أن الوعد بصباح كامل لنهار كامل لا يمكن أن يتم إلا في اليوم السابع ـ حيث لا نقرأ ما قرأناه ست مرات «وكان مساء وكان صباح» بل نقرأ عن ”يوم“ لا يتكوّن من إخلاط المساء والصباح بل هو ”نهار كامل“ ـ أبدية سعيدة لا يعقب نورها ظلال من مساء.وبهذه المناسبة نقرأ في (دانيال 14:8) هذا القول «فقال لي إلى الذين ألفين وثلاث مائة صباح ومساء ”فيتطهر“ القدس». أعني أن حساب «المساء والصباح» من متعلقات أزمنة العالم: ماديًا وروحيًا. فإن ”القرن الصغير“ ـ موضوع هذه النِّبوة ـ يظل يعيث فسادًا طول 2300 مساء وصباح، ولا يُقال 2300 نهارًا أو يوم بأسلوب اليوم السابع فهي فترة تقع في دائرة ”الظلال“ ـ ظلال المساء، إذ ليس فيها قبس من النور الإلهي. وهي صورة لما يجري على مرأي منا، فهوذا الناس جميعًا يحلمون بيوم جديد يشرق عليهم من خلال نوع خاص من الحكم والتشريع والثقافة والمدنية، وغير ذلك من الضمادات الوقتية لجراح غائرة. ولكن يقول الله لأولئك الواهمين «منقلبًا منقلبًا أجعله» (حزقيال 27:21) فإن البشر جميعًا أعلنوا رفضهم للنور الحقيقي «أحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة» (يوحنا 19:3) لكن سيأتي نهار أو يوم بلاغيوم.واليوم الأول هذا هو من الناحية التدبيرية إشارة إلى عصر الوعد ـ كما ألمحنا ـ العصر الذي سبق الطوفان، حيث أضاء قبس من النور عن مجيء نسل المرأة ـ قبس ألقى ضوءه على حالة الإنسان فأبهج الخاطر كنِّبوة عن قدوم يوم جديد. «وقال الله ليكن جَلَد في وسط المياه. وليكن فاصلاً بين مياه ومياه. فعمل الله الجَلَد وفصل بين المياه التي تحت الجَلَد والمياه التي فوق الجَلَد. وكان كذلك. ودعا الله الجَلَد سماء. وكان مساء وكان صباح يومًا ”ثانيًا“» (ع 8ـ6).ها هو اليوم الثاني يطلع علينا بمسائه وصباحه ـ يوم من أربع وعشرين ساعة كما هو متعارف في حساب الكتاب وفي حساب التقاويم البشرية. والعجيب أن قومًا يستكثرون على الله أن يُعيد إشراقة النور من جديد على الأرض في خلال يوم ـ ومن ثم أقحموا الأحقاب على فترة الستة الأيام الحرفية لكن ذاك الذي خلق وأبدع الكل هو الذي يقرر متى عمل وكيف عمل.في هذا اليوم قال الله «ليكن جَلَد في وسط المياه» أما ما هو جَلَد، فهو أولاً ليس شيئًا مبسوطًا نظير السقف كما جاء في الأساطير اليونانية بل هو امتداد من الفضاء؛ غلاف أو حزام زوده الله بكل ما يلزم لصون النباتات والحيوانات والناس، التي كان الله عتيدًا أن يوجدها أبتداء من اليوم الثالث ـ وكما أحاط الله ـ خلال الأحقاب المديدة السابقة للستة أيام ـ نباتات وحيوانات تلك الأحقاب بما يصونها حتى تحولت إلى حفريات، هكذا هيأ لمستلزمات الحياة الجديدة ما يصونها ويعمل على إنمائها. فلكل عصر بيئة جوية تلائمه في حكمة الله الغنية. وهكذا أعد الله هذا الغلاف الجوي لصون الحياة. فبعد أن تنازل وأمر بإشراق النور في اليوم الأول. تنازل أيضًا وعمل الجَلَد، السماوات الجوية التي لابد منها للضوء والصوت والكهربية، في خدمة الحياة للنبات والحيوان.وهذا الغلاف فاصل بين مياه ومياه. الأمر الذي حال دون ملء هذا الفضاء العظيم المستمرة، كما صار قيام هذا الفاصل سببًا في وجود المزيج من الغازات التي تؤلف الهواء اللازم لجميع الكائنات الحية على الأرض، وإلى هذا الغلاف وحركته ـ إلى جانب عوامل أخرى ـ نحن مدينون بتكوين السحب وتساقط الأمطار. كما نحن مدينون بتعديل الضوء الأمر الذي يزيد من جمال الخليقة كما يزيد من منافعها واستخدماتها. ولا نريد أن ندخل بالقاريء في تفاصيل أخرى أكثر من هذه فالمجال ليس مُعدًا لها بل لشرح كلمة الله.»ودعا الله الجَلَد سماء» فالجَلَد هو سماء الأرض وليس سموات العدد الأول من إصحاحنا بصفة مطلقة، بل هو السماء التي يطير فيها الطير كما تسير فيها سفن الفضاء.وفيما يتعلق بالمياه التي فوق الجَلَد، فإنها ذلك المخزون الكبير من الأبخرة المتصاعدة من مياه البحار والمحيطات والتي تملأ السحب وتتساقط مطرًا وبردًا أو جليدًا. وعن المياه التي تحت الجَلَد: فهي ما تبقى من المياه التي كانت تغمر الأرض والتي كانت عتيدة أن تكون البحار عند ظهور اليابسة في اليوم الثالث. ومن الناحية التدبيرية فإن ما حدث في اليوم الثاني يشير إلى حكومة الإنسان التي تأسست أولاً في زمن نوح حيث شرع الله دستور تلك الحكومة بقوله الإلهي «سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه» على أن عدم الإستقرار هو طابع الحكومة البشرية، فغنها مهما يكن الأمر ليست سوى فاصل بين ”مياه ومياه“.ومن ناحية التطبيق الروحي ففي هذا اليوم عمل الله الغلاف الجوي وهو دائرة تتميَّز عن ”المياه“ التي تفصل بينها واعتقد أن هذا الغلاف الجوي يشير إلى إدخال طابع سماوي في المشهد ـ طابع يصبح المناخ الصحي الذي يتنفس فيه الإيمان بحرية ـ لقد رأينا كيف أعطى الله نور المسيح في صورة مواعيد ثمينة؛ على أنه تعالى قد أعطى كذلك، وفي بكور التاريخ، فكرة عما هو سماوي، الأمر الذي أصبح فيما بعد مبدأ إنفصال كما نرى في (عبرانيين 8:11ـ16). فمن خلال هذه الأعداد نتبيَّن أن إبراهيم كان ينتظر المدينة التي لها الأساسات، وإن تلك المدينة سماوية وكان اسحق ويعقوب وارثين للموعد مع إبراهيم، ومن ثم كانا ـ نظير إبراهيم ـ يطلبان وطنًا أفضل أي سماويًا. وهكذا تنفس الآباء الثلاثة في مناخ الآمال السماوية، تلك الآمال التي كانت فعالة بقوة في انفصالهم حتى جعلتهم «غرباء ونزلاء على الأرض». وشكرًا لله فإن مبدأ الإنفصال هذا بين ما هو ”تحت“ وما هو ”فوق“ صار قوة واضحة ملموسة من ذلك اليوم فصاعدا وإلى أن ينتهي دور الإغتراب الذي يقطعه الإيمان حتى يتحول إلى ”عيان“. فإذا كنا قد حصلنا فعلاً على نور معرفة الله في المسيح، فإنه يعوزنا بعد ذلك مناخ جديد، ولا ننسى أنه ليس في العالم من يقاسمنا أفراحنا وتدريباتنا، وإنما نجد مناخنا الملائم في دائرة القديسين إخوتنا. وإلا كيف نظن أن إنسانًا عرف الله ورجع إليه، يقدر أن يتنفس هواء مشبع بالوثنية والكراهية والإثم؟ إن إنسانًا يعرف الله في المسيح يشتاق من كل قلبه أن يكون في صحبة إخوته القديسين الذين يحبهم وبذلك يتوفر له الدليل على أنه قد أنتقل من الموت إلى الحياة.«وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة. وكان كذلك. ودعا الله اليابسة أرضًا ومجتمع المياه دعاه بحارًا. ورأي الله ذلك أنه حسن. وقال الله لتنبت الأرض عشبًا وبُقلاً يبزر بزرًا وشجرًا ذا ثمر يعمل ثمرًا كجنسه، بذره فيه على الأرض. وكان كذلك فأخرجت الأرض عُشبًا وبُقلاً يبزر بزرًا كجنسه وشجرًا يعمل ثمرًا بزره فيه كجنسه. ورأي الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يومًا ثالثًا» (ع 9ـ13).لم يطل بنا الوقوف أمام ”اليومين“ السابقين بقدر ما طال أمام الأحقاب والخراب. ذلك أننا في ”اليومين“ ـ وفي الأيام الأربعة الباقية ـ نرى أمورًا نألفها: نرى «ما هو ظاهر» أما الأحقاب التي لم تشأ حكمة الله أن تحدثنا عنها في الكلمة، فلا نعلم من أمرها شيئًا سوى ما سمح الله الخالق الأمين أن تقذفه بواطن الأرض من ”مقاصيرها“ بفعل الخراب الذي أعقب الأحقاب من حفريات نباتية وحيوانية ومعادن مختلفة.وأمام جلال الله في حكمته، كما في قوته يقف كل كاتب عاجزًا عن استجلاء حسنات ما خلق الله وما أبدعه. وليس عجزنا قاصرًا على مكنون تلك الأحقاب بل هو كذلك أمام ”الأيام“ الستة مع أنها تتناول «ما هو ظاهر» ولكن من منا يقدر أن يدرك الإدراك الكامل فوائد فصل المياه فوق الجَلَد عن تلك التي تحت الجَلَد؟ من منا يدرك الإدراك الكامل آثار ظهور النور مشرقًا على الأرض؟ومرة أخرى نشدد على إبراز ملامح الأيام الستة لعل في تشديدنا ما ينفي من ذهن بعض المسيحيين خلط هذه الأيام بالأحقاب المديدة التي سبقتها. ذلك أن الأيام الستة قد تعاقبت تاريخيًا بدون توقف، بحيث يجوز لنا أن نقول أنه في خلال ستة أيام ولكل يوم أربع وعشرون ساعة تمَّت عملية إعادة تنظيم الأرض وإعدادها ”مسكونة“ لبني آدم وموطئًا لقدمي ”رب المجد“ عند تنازله ليصير في ”صورة عبد“ في شبه الناس «في البيئة كإنسان» له كل المجد والتعبد، على أن عمل تلك الأيام يؤكد الخليقة الأصلية، كما يؤكد بالسوية ما أعقب تلك الخليقة من تفكك اكتسح في طريقه كل أشكال الكائنات المنظمة، وأعقبه تفكك آخر وآخر؛ كل هذه التفككات سبقت ”الأيام“ التي هيأت كل شيء لحياة الإنسان. فهذه الأيام إنما بدأت بعد أن أنهي الله أحقاب التطور وأخذ يكوّن خلال الأيام الستة ذلك النظام البديع الذي تعيَّن الإنسان رأسًا له، بعد أن أعطاه ثروة من المخزون العظيم الضخم الذي صار في متناول إجتهاده أن يفيد منه.لقد مرّ بنا في اليومين السابقين ”عمل“ النور فيما يتصل بالأرض الآدمية، ”وصنع“ الغلاف الجوي الذي يحمل ويسند رصيدًا ضخمًا من المياه، كما يظلل المياه التي تحته. ولكل من النور والغلاف الجوي نتائج غاية في الأهمية بالنسبة لما يعقب اليومين الأولين والكل أعدته الحكمة الإلهية ليوائم النظام الذي كان الجنس البشري يزمع أن يعيش فيه. وما كان الإعلان الإلهي بحاجة أن يوضح لنا كيف عمل الله ذلك جميعه، إنما الحق الهام بالنسبة لشعبه هو أن الله تعالى هو صانع وباريء الكل. وفي وقفتنا أمام اليوم الثالث نقرأ عن عمل جديد ”عمله“ الله العالِم الإنسان: نقرأ عن تجميع المياه التي تحت السماء إلى مكان واحد، وعن ظهور اليابسة ترتيبًا على عملية التجميع هذه. وليس معنى هذا أن ذلك الإنفصال لم يكن موجودًا من قبل؛ وإنما كانت حالة الخراب التي سمح الله بها في حكمته هي استلزمت عملية الفصل، كما استلزمت تجديد كل شيء من أجل آدم.لقد صاغ الله الأرض والبحار في الصورة التي نراها بأعيننا. وياله عملاً خطيرًا نافعًا للجنس البشري! ولعل الأمر لا يحتاج منا سوى قليل من الملاحظات.كما تنازل الله وأعطى لليومين السابقين مُسميات لما تمّ صنعه خلالهما، هكذا في هذا اليوم الثالث يدعو اليابسة للظهور ويُسميها أرضًا كما يُسمى مجتمعات المياه بحارًا ”شاملة المحيطات والبحيرات والأنهار كما نفهم من اللفظ العبري؛ وهكذا أبدع فأتقن ورأي ذلك أنه حسن.واليوم الثالث يوم مزدوج: تكلم الله فيه مرتين، ومرتين قيل أن ما عمله حسن. فبعد ظهور اليابسة وتركيز المياه في مواقعها الحالية تنازل الخالق الأمين الحكيم وأمر الأرض أن تظهر عليها الطبيعة النباتية اللازمة لسكان الأرض العتيدين، تلك المملكة النباتية التي تجيء حلقة وسطى بين المعادن والحيوانات. فأمر الأرض أن تنبت عُشبًا وبُقلاً يبزر بزرًا وشجرًا ذا ثمر كجنسه، بزره فيه على الأرض. وهذه هي النشأة الحقيقية لجميع أشكال النباتات الضرورية للأرض الآدمية. وكما أعلن الله تقديره فيما يتصل باليابسة والبحار، أنها حسنة، كذلك أعلن عن الكساء الجميل الذي زيَّن الأرض به، ذلك الكساء الذي هو في الوقت عينه مصدر تموين للإنسان والحيوان: أعلن أن ذلك حسن كذلك. وهنا لا يجب أن ننسى أن العشب كان الغذاء الوحيد للإنسان حتى يوم نوح.ومهما تكن أقوال الناس الذين يعودون بمنظورات اليوم الثالث إلى عصور الأحقاب، فإن الأمر الذي لا ريَّب فيه هو أن موسى كان يفهم من كلمة ”بقل“ ما نفهمه نحن اليوم، البقل الذي أخذت الأرض تنبته لحياة الإنسان والحيوان مما سنراه في الأيام التالية. إن ما يتحدث عنه الكتاب في اليوم الثالث إنما يُشير إلى تكوين الأرض الآدمية وضرورياتها. وموسى هنا يصف المملكة النباتية في ملامحها الرئيسية كما وجدها آدم وكما نجدها نحن. لقد كانت هي النباتات التي عرفها موسى والتي قاده الله لوصفها.ثم لنأخذ التطبيق الروحي الذي يتصف به اليوم الثالث، يوم القيامة. لقد دخل المسيح في نعمته السامية إلى دائرة الموت، إلى الموت الذي كان جاثمًا على صدر الإنسان، لكنه تبارك اسمه طلع من الموت ليكون الأساس الراسخ لنظام جديد يتميَّز بالثمر والحياة. والآن قد أتينا نحن المؤمنين إلى ”مراحم صادقة“ إلى ما هو متيّقن ومحفوظ وصِرنا «للذي أُقيم من الأموات لنثمر لله» (رومية 4:7) وقد رأينا أنه ترتيبًا على ظهور ”اليابسة“ ظهر «بقل يبزر بزرًا» وشجر ذو ثمر يعمل ثمرًا كجنسه، بزره فيه على الأرض. ولا شيء سوى ما يرتبط بالمسيح هو الباقي والرسخ والذي يثمر لله. وهكذا نجد الأمر فيما يتصل بالكنيسة التي ترتبط بالمسيح الآن وفيما يتصل بالبقية التي سترتبط بشخصه المجيد في يوم قادم: فإذ يتمتعون بمراحم داود الصادقة في المسيح المُقام سوف يثبتون ويُثمرون لمسرة الله. وإلى أن يأتي ذلك العصر السعيد فإن الكنيسة تشغل الآن هذه المكانة المباركة. ها قد أشرنا إلى الناحية التدبيرية إشارة عابرة ولا بأس من التوسع فيها قليلاً ولكن لنعد قبل ذلك عودة قصيرة إلى الناحية الروحية.إن اليوم الثالث يتسم بقوة القيامة وآثارها حيث نرى الأرض خارجة من وسط المياه لكي تزدان بخضرة الحياه ونمائها الوفير. ولكن لا يجب أن يفوتنا أن المياه لم ترفع من الوسط وإنما هي محددة ومُقيدة، بحيث لا يمكن أن تعود وتغمر الأرض. نعم، هي لا تزال موجودة ولأول مرة يعطيها الله أسمها المعروف لدينا الآن؛ على أنه في الأرض الجديدة تختفي البحار «البحر لا يوجد في ما بعد» (رؤيا 1:21).ليس هذا سوى النصف الأول من اليوم الثالث؛ فهو كما قلنا يوم مزدوج عند الله ـ أما في نصفه الآخر فقد ظهر ”العشب“ ”والبُقل“ ”والشجر ذو الثمر“ ـ ولا بأس من التأمل في الدلالات الروحية لهذا جميعه. ذلك أن هذه النباتات والثمار المبهجة هي نتاج قيامتنا مع المسيح. وكما أن موت المسيح محسوب لنا، كذلك لنا أيضًا قيامته بكل نتائجها الفُضلى. فموته نقلنا من وضعنا وحالتنا القديمة كخطاة ـ كأولاد آدم ـ وقيامته هي مدخلنا إلى حالة جديدة ومنطقة جديدة. وفي ذلك يقول الرسول «إن كان أحد في المسيح» فتلك هي ”الخليقة الجديدة“ «الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا» وأنت تلاحظ معي أن الرسول لا يقول ”إن كان أحد يولد من فوق“ ذلك أن منطقة الخليقة الجديدة شيء والعمل الداخلي الذي تمّ في داخلنا شيء آخر. الخليقة الجديدة هي مركز جديد قدام الله. مركز القبول في المسيح؛ وهو كقبول المسيح تمامًا.إن قيامة المسيح قد وضعتنا في هذا المكان: نحن مُقامون معه. وقبولنا لهذه الحقيقة المباركة يدخل بنا إلى الراحة والسلام، ويضعنا على تربة مثمرة بعيدًا عن تيارات البحار ـ صحيح أن البحار موجودة لا تزال، فالجسد لم يصبح روحًا، ولا هو أُلغى بدليل أن له مكانه واسمه إلا أن الإنسان في المسيح قد أقيم من تلك الدائرة، فهو ليس في الجسد وليس جسدًا مع أن الجسد فيه كما أن الأرض في اليوم الثالث ليست في البحر وإن كان البحر فيها.هذا هو الشق الأول من يوم القيامة. أما الشق الآخر فنرى فيه الثمر الذي هو النتيجة الحتمية؛ فإننا إذ «قد أُعتقنا من الخطية» فقد صرنا «عبيدًا للبر». وهنا أرجو ملاحظة بعض الملامح: في إصحاحنا هذا من سفر التكوين نقرأ أن الله دعا اليابسة ”أرضًا“. ويقول أحد الثقاة في اللغة العبرية أن هذا اللفظ ”أرض“ مشتق من لفظ يعني ”فتاتًا“ وفي الواقع هذه هي الحالة التي يجب أن تكون عليها الأرض لكي تثمر: أي أن تتفتت، فبقدر ما تتحطم يبوستها إلى تراب، بهذا القدر تنتج خيرًا للزارع: وهذا مع كونه درسًا بسيطًا، غير أنه درس عظيم، فإن الروح المنسحقة التي لا تُقاوم يد الله هي عنصر رئيسي لإخصاب النفس التي يعمل فيها لأنه لا يطلب منا قوة أو صلابة بل ضعفًا وليونة؛ لا قوة مقاومة بل ”إذعانًا“ لمشيئته الصالحة ـ لكن كل القوة له «قوته في الضعف تكمل».ومن جهة الثمر، فنحن في الفصل الذي أمامنا ـ نلاحظ التدرج والنمو؛ فهناك أولاً عشب، ثم بقل وأخيرًا «شجر ذو ثمر يعمل ثمرًا كجنسه، بزره فيه، على الأرض» وهذا تشبيه آخر جميل، فالثمر يحمل في طياته القدرة على الإستمرار الذاتي. وإذ هو في خدمة السيد، فإن بزر الثمر هو من نوع الثمر ذاته ـ فالمحبة لابد أن تثمر محبة وهكذا. وإذا شئنا أن نجد المحبة فينبغي أن نظهر المحبة. وبقدر ما ينضج الثمر في مذاق السيد بقدر ما يكون البذر كذلك ناضجًا. وأفضل الثمار نضجًا هو ما تعرض أكثر للشمس. ومن المفيد أن نلخص هذا اليوم الثالث في عبارات أخرى. أن الجسد موجود فينا طالما نحن على الأرض، ولكن «إن كان المسيح فيكم فالجسد ميّت بسبب الخطيئة» (رومية 10:8) فحينما تعرف النفس قوة القيامة، حينما يعتقها ناموس الروح من ناموس ”أي سيادة“ الخطية والموت، تكون قد وصلت إلى يومها الثالث، وتعرف التقديس المسيحي ومع الإستقرار ”أي اليابسة“ يوجد الثمر الدائم. وأخيرًا نقول كلمة موجزة عن التطبيق التدبيري: نستطيع أن نتبيَّن من ظهور اليابسة التي تعبر عن الثبات والإستقرار المكانة الخاصة التي دُعى إليها الشعب الأرضي وقد انفصل عن الأمم المجاورة لكي ينظمه الله ويحكمه. فإن هذا الشعب يمكن أن يشبه باليابسة بوصفه صاحب المواعيد وكمن استؤمن على أقوال الله وشهاداته. إلا أن هذا الوصف الحلو إنما ينطبق في حقيقته على بقية صغيرة. أما الأمة كلها بحسب الجسد فقد أخفقت في المطابقة مع الفكر الإلهي فكانت كغيرها من الناس تحت الخطية والموت؛ وإلى جانب ذلك نقضت الناموس الإلهي.«وقال الله لتكن أنوار في جَلَد السماء لتفصل بين النهار والليل؛ وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين، وتكون أنوارًا في جَلَد السماء لتنير على الأرض. وكان كذلك. فعمل الله النورين العظيمين، النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل والنجوم. وجعلها الله في جَلَد السماء لتنير على الأرض ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور والظلمة. ورأي الله ذلك أنه حسن وكان مساء وكان صباح يومًا رابعًا» (ع 14ـ19).والبرهان الذي يقدمه اليوم الرابع لا يقل في دلالته عن برهان اليوم الثالث: ذلك أنه يحدثنا عن عمل الأجرام السماوية فيما له صلة بالإنسان والأرض التي تهيأت لسكناه. ولكن من الخطأ أن يتصور أحد أنه خلال الأحقاب المديدة وما حفلت به من الحياة النباتية والحيوانية حتى إلى أرقى الأنواع لم تكن هناك شمس تضيء وقمر ونجوم ولو لم تكن بنفس الحالة القائمة منذ اليوم الرابع حتى الآن. إن علم الجيولوجيا يتعقب ملامح الحياة وتطورها في نظام مخطط يعبر عن حكمة سامية فليكن، غير أن تلك الكائنات من نبات وحيوان كانت في تلك الأحقاب التي هي ميدان بحث وتنقيب الجيولوجيا كانت تتمتع بضوء الشمس وحرارتها وبالهواء والماء. أما في فترة الستة الأيام فقد رتب الله كل شيء بتعاقب حكيم وتنظيم بليغ لأجل الإنسان بعد أن انتهت تلك الأحقاب المديدة وبعد موجة التخريب التي استلزمت تدخل الله لإنشاء نظام جديد. فبَدَأ أولاً بالنور ثم أعقبه الغلاف الجوي، ثم تجميع البحار في موضعها الحالي، ثم ظهور اليابسة وقيام المملكة النباتية لخدمة الجنس البشري. وإذ نحن في اليوم الرابع، فلا يخطرن ببال أحد أن هذا اليوم يُحدثنا عن خلق الشمس والقمر والنجوم فهذا شيء لم يقله السجل الإلهي، الذي إنما قال أن الله ”عمل“ هذه المنائر أو حاملات النور. وهذا اللفظ ”عمل“ لا يعني خلقها أو إبداعها وإنما يُحدثنا عن وصفها الجديد بعد ظهور النباتات وقبل ظهور الحيوانات: اللازمة كلها لخدمة الأرض الآدمية. وإذ كان النور قد بدأ إشراقه على الأرض منذ أول الستة الأيام، فها هو الله تبارك اسمه يضع حاملات النور لتقوم بدورها المُعيَّن لها لخدمة الإنسان ـ أما خلقها الأصلي فيتضمن في العدد الأول الذي يحدثنا عن ”خلق السماوات والأرض“ وحاشا لله أن يكون قد خلق واحدة منها فارغة خاوية، إذ ما هي السماوات بدون جندها؟ ومادام الشيء الذي كان يعطل قيام الشمس والقمر بوظائفهما قد انتهي، فإن هذه المنائر أخذت من أمر الله قدرة لكي تفصل بين النهار والليل. ونلاحظ أن اليوم الثالث أبرز لنا النباتات التي كانت لازمة لفائدة الإنسان بدون أشعة الشمس؛ ذلك إن ما كان يعوز هذه النباتات هو النور ”وما يطويه من حرارة“، الشيء الذي كان ضروريًا كذلك للحياة الحيوانية. ومن كان يعنيه أن تكون هذه المنائر ”لآيات“ مثل ذلك الشعب التاريخي الذي كم رأي من آيات في الشمس والقمر خلال مناسبات حرجة في تاريخهم الطويل؟ وفي (خروج 22:10و23) عينة من هذه الآيات؛ كما نقرأ كذلك في (يشوع 12:10و13) عن عينة أخرى؛ وأيضًا في (ملوك الثاني 11:20) ـ هل ننسى الظلمة التي اكتنفت صليب ربنا يسوع المسيح؟ لقد كان اختفاء نور الشمس ”علامة“ أو ”آية“. لكن القوم في يومهم أُغلقت قلوبهم وأذهانهم عن فهم مدلولها. ثم حين يأتي مسيا في قوة ومجد: كم مجموعة من ”الآيات“ أو ”العلامات“ تكون يومئذ؟ (متى 29:24).”والأوقات“: كم هي ذات موضوع للإنسان بوجه عام: زرعًا وحصادًا؛ صيفًا وشتاءً؛ ربيعًا وخريفًا؛ مطرًا وقحطًا ـ وفيما يرتبط بالشعب القديم هي إشارة إلى ”المواسم“ الدينية والقومية.أما عن ”الأيام والسنين“ فذلك أمر يدركه الناس عامة بوساطة الشمس دون الإستعانة بالآلات العلمية.«ورأي الله ذلك أنه حسن وكان مساء وكان صباح يومًا رابعًا» وهنا لا يسع أحدًا أن ينكر أنه كنتيجة لعمل اليوم الرابع صارت دورة الليل والنهار التي نألفها اليوم. ولكن لا يجب أن ننسى أن دورة الأرض أو دورانها حول محورها لا يتوقف على الإنارة ولكن على الجاذبية، وكان يمكن أن تستمر في دورانها حتى لو بقيَت الشمس في غيبة عنها كما قبل اليوم الرابع. ومن الناحية الروحية: لقد قصد الله أن تكون الأرض ـ في اليوم الرابع ـ في نور ما قد وضع في السماء، وتحت حكم أو تأثير سماوي. نعم، فليس الأمر ـ بعد ـ أمر وضع أساسات الأرض. بل تزيين وتجميل السماوات كما نقرأ لأيوب قوله الجميل «بنفحته السماوات مسفره» أو «بروحه زيَّن السماوات» وجَمَلَهَا (أيوب 13:26). إن المسيح الممجد هو ”النور الأكبر“ في السماء ولما جاء إلى أرضنا قيل «افتقد المشرق من العلاء» (لوقا 78:1). وحين «حلّ بيننا» كان هو «نور العالم» «مادمت في العالم فأنا نور العالم» (يوحنا 5:9) لكن الظلمة الأدبية التي ظهر لكي يبددها، كانت من الكثافة بحيث لم تدرك النور. لكنه الآن يحتل مكانه في السماء كالإنسان المُقام والممجد وفي العالم العتيد سوف يشرق علنًا بوصفه شمس البر. لكن المؤمنين به. في الوقت ذاته ـ يتمتعون ويسلكون بنور إشراقه. «بعد قليل لا يراني العالم أيضًا وأما أنتم فترونني» (يوحنا 619:14)ـ «يسوع نراه مُكللاً بالمجد والكرامة» (عبرانيين 9:2). والشيء الذي سوف يصدق في يوم قادم على مدينة الملك العظيم «قومي استنيري ”أي انيري“ لأنه قد جاء نورك» (إشعياء 1:60) وهذا ينطبق روحيًا على القديسين الآن حيث نقرأ القول «لذلك يقول استيقظ أيها النائم وقُم من الأموات فيضيء لك المسيح» (أفسس 14:5).ولأن الكنيسة هي في نور المسيح، فهي من أجل هذا تشبه القمر، ذلك النور الأصغر أو الأقل. فإن القمر إنما يُضيء لأنه في نور الشمس؛ وحيث أن الكنيسة ثابتة وباقية في نور المسيح، فإنها منارة في ليل رفض المسيح. لقد وضع الله «الأنوار في جَلَد السماء لتفصل بين النهار والليل وتكون لآيات وأوقات». وهذا شيء له أهميته العظمى من الناحية الأدبية بمعنى أن المسيحي ينبغي أن يفهم الأزمنة والأوقات. لقد غرُبَت الشمس في هذا العالم لأنه رفض المسيح، وأخذت الكنيسة مكانها كمنارة بوصفها آنية الروح القدس؛ نعم، فهنا أقنوم إلهي يسكن في المؤمنين، ومن ثَم فإن النور الإلهي يُضيء للناس من خلال تلك الآنية التي تُشبه القمر.معلوم أن الشمس هي مركز النور ومركز عالمنا الأرضي أيضًا وبقية السيارات تدور في أفلاكها حولها ومنها تستمد نورها. ومن هذه الأوجه يصح أن نشبه ذاك الذي سيظهر عما قريب والشفاء في أجنحته ليُفَرِح قلوب خائفي الرب بالشمس (ملاخي 2:4). والذي قضى ليلته يراقب بزوغ الشمس ثم رآها وهي طالعة ترسل أشعتها لتملأ الفضاء وتبدد الضباب وتقشع الغيوم وتشق سواد الليل، يرى أوجه الشبه في تمثيل هذا المنظر بظهور شخص الرب في جلاله وبهائه حين يستقبله القديسون كما تستقبل الخليقة أشعة نور الشمس عند الصباح إذ بعد قليل ستشرق شمس البر ومن أمام وجهه ستهرب أوهام الظلام وتبتهج الخليقة بأسرها ببزوغ فجر بلا ضباب بداية نهار مجد أبدي.أما القمر فهو كتلة جامدة في حد ذاتها تستمد نورها جميعه من الشمس وهي تعكس في كل حين نور الشمس إلا متى اعترضت الأرض بينهما. ثم أنه حالما تختفي الشمس تحت الأفق وتحتجب عن الأبصار حينئذ يظهر القمر مستمدًا نوره منها وعاكسًا أشعتها على الأرض المتسربلة بالظلام ـ إما إذا حاولت أن ترى القمر في النهار فلا تبصر سوى نور أصفر باهت لأن الشمس تكون مُضيئة في قوتها وكما قلنا سابقًا فإن نور القمر قد يحتجب أحيانًا متى أعترضت الأرض بينه وبين الشمس أو تتصاعد الأبخرة من الأرض وتتبلد الغيوم وتتكاثف السحب فيختفي نور الشمس عن أبصارنا.وكما أن الشمس رمز بديع وفي غاية المناسبة للمسيح كذلك القمر رمز جميل للكنيسة التي تستمد نورها من ذلك المصدر الخفي عن أبصار العالم. فالعالم لا يراه أما هي فتراه وتعرفه. وهي مسئولة لكي تعكس أشعة نوره على العالم المظلم. فالكنيسة هي الواسطة لتوصيل النفوس إلى المسيح. والرسول يقول بالوحي «أنتم رسالتنا …المقروءة والمعروفة من جميع الناس» وأيضًا «ظاهرين أنكم رسالة المسيح» (كولوسي 2:3و3).هذا الوجه يُشير إلى مسئولية الكنيسة التي عليها أن تسعى ضد كل ما شأنه أن يعطل ظهور نور المسيح السماوي في جميع طرقها ولكن كيف يتسنى لها أن تعكس هذا النور؟ بمواجهة الشمس في ضوئها الكامل حتى ينعكس عليها لأن الكنيسة متى سلكت في نور المسيح فلاشك أنها تعكس نوره وهذا هو مركزها الحقيقي. إن نور القمر ليس هو نوره الخاص وهكذا الحال مع الكنيسة. ولا هو مطلوب منها أن تظهر ذاتها للعالم. وإنما هي مطالبة أن تمد المسكونة بالنور الذي تستمده من المسيح وعليها أن تدرس بمواظبة واجتهاد المثال الذي تركه لنا لنقتفي آثار خطواته التي سلكها هنا على الأرض بقوة الروح القدس الساكن فيها. ولكن وآسفاه! فإن غيوم العالم وأبخرته أي هموم وغرور الحياة تحجب النور وتمحو كتابة الرسالة فيبيت العالم وهو لا يرى من صفات المسيح وكمالاته في ذويه المدعوين باسمه إلا النذر القليل بل قُل أنه في بعض الأوقات يرى بدل المشابهة مفارقة ويبصر عكس تلك الصفات. فياليتنا نشخص إلى المسيح وننظر إلى مجده الأدبي بروح الصلاة فننسج على منواله ونكون أمناء في الإقتداء به.أما النجوم فهي عبارة عن أنوار بعيدة عنا جدًا ونبصر نورها. فالمسيح هو مركز النور والضياء وعلى الكنيسة الآن أن تعكس نوره على كل الذين هم حولها. أما القديسون أفرادًا فسيضيئون في مداراتهم الخاصة بهم بحسب ما يرى ذلك الديان العادل البار عند توزيع الأجرة على مستحقيها جزاء الخدمات التي أدوها بأمانة مدة غياب سيدهم أثناء ظلام الليل. هذا ما يبعث فينا روح الغيرة والنشاط للتمثل بربنا الغائب عنا الآن (لوقا 12:19ـ19).واليوم الرابع يمثل من الناحية التدبيرية إشراقات الأنجيل في الوقت الحاضر على العالم أجمع، وعلى الأمم بوجه خاص ـ تمشيًا مع الدلالة العددية لهذا اليوم. وكما يتحدث اليوم الثالث عن الأنفصال، فإن اليوم الرابع يتحدث عن الإنتشار.هذا الدرس بسيط لكن ياليتنا نحفظه عن ظهر قلب؛ فإن كل نور إلهي حقيقي هو الآن نور سماوي. وحينما يوصينا سيدنا بقوله الكريم «فليضيء نوركم» فليس لهذه الوصية معنى سوى أن نجعل الناس يرون أننا تابعون لدائرة أخرى، وأننا لسنا من العالم كما أن سيدنا لم يكن من العالم، معنى هذه الوصية أن نجعل الناس يرون وجوهنا مشرقة بالفرح لسيدنا، وقلوبنا مكتفية بشخصه الكريم، وأننا هكذا مستقلون عن الآبار المشققة التي لا انتعاش منها وتلك كانت شهادة الكنيسة في تلك الأيام التي فيها ”رجع“ الناس «إلى الله من الأوثان لينتظروا ابنه من السماء»؛ على أنه إذ أبطأ العريس «نعسن جميعهن ونمن» لكن النور الوحيد للعالم لا يزال هو هو بعينه. مصباح العذارى الحكيمات وهن خارجات للقاء العريس.وعندما يأخذنا المسيح إلى بيت الآب حينئذ ينتهي التدبير الحاضر، ويشرق اليوم الخامس حين تعود ”المياه“ مرة أخرى وتغمر كل شيء؛ لذلك الزمان الذي يتحدث عنه (مزمور 93) ولو أنه يتحدث أصلاً عن حالة مضت؛ وفيه نقرأ القول «رَفَعَت الأنهار يا رب، رَفَعَت الأنهار صوتها؛ ترفع الأنهار عجيجها».أن الأربعة الأيام هذه تطالعنا بتأسيس وتثبيت ظروف الحياة، وفي اليومين الخامس والسادس سنجد الحياة ذاتها. وظروف الحياة التي نقصدها هي النور والجو والطعام والحكم. فالنور الذي تتيّسر فيه الحياة الروحية هو إعلان الله ـ ثم يأتي دور الجو الملائم لأولئك الذين يعرفون الله حيث تتفاعل المشاعر الروحية. وبعد ذلك نقرأ عن طعام الحياة الذي يدعمها. وأخيرًا يجيء دور الحكم السماوي، ذلك ان دائرة الحياة تختفي منها الإرادة البشرية التي هي ”الإثم“. أن الظلمة، والجهل بالله، والوثنية والإثم: كلها موت. ولكن حين يدخل نور الله تتحرك المحبة والطاعة في جو ملائم، يدعمها الطعام المناسب، وتحت حكم سماوي، وهناك الحياة. «وقال الله لتفض المياه زحافات ذات نفس حية، ليطر طير فوق الأرض على وجه جَلَد السماء. فخلق الله التنانين العظام وكل ذات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كأجناسها وكل طير ذي جماح كجنسه. ورأي الله ذلك أنه حسن. وباركها الله قائلاً إثمري وأكثري وأملأي المياه في البحار. وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح يومًا خامسًا» (ع 20ـ23).ها نحن أمام مظهر جديد من أعمال القوة الإلهية، نقرأ عن ”خلق“ آخر بعد ”خلق“ العدد الأول؛ أعني بذلك ”خلق“ الحياة الحيوانية الأولى اللازمة للعالم الآدمي لكي تسكن المياه التي من تحت وطير السماء من فوق. ذلك إن إنشاء الحياة الحيوانية على وجه التخصيص، يستدعي مصطلح ”الخلق“. فإن الله ـ في سلطانه الإلهي وقدرته السرمدية. لم يكتف بإستخدام القوى الكيميائية، والوسائل الحركية بواسطة المياه والضباب والجاذبية، بل أن يوجد الحياة التي هي جزء من مخططه العجيب، تلك الحقيقة التي تجعل الله في مواجهة كل الناس لو لم تطمس الخطية عيون قلوبهم؛ نعم فالحياة هي التي توجه كيميائية النباتات أو الحيوانات؛ وهي أصل كل تنظيم ينظم جنسية كل نبات وحيوان.وكما كان في سلطان الله وأقتداره أن يخلق، كذلك كان في مشيئته وجلاله أن يديم الحياة. ومن هنا فقد أعطى قوله تبارك اسمه لميلاد المخلوقات التي تعمر المياه والجَلَد، ولدوام تنفيذ مشيئته ـ وفي هذا اليوم الخامس نقرأ أن الله خلق التنانين العظام أي المخلوقات الضخمة والتماسيح التي تعيش في الأنهار الكبيرة والتي تعيش في البحار ”الحيتان العظيمة“ التي تفوق في حجمها سائر حيوانات الأرض.في (ع 20) أعطى الله قوله لإعطاء وجود للمخلوقات التي تسكن المياه، ولتلك التي تملأ الهواء، وذلك في عبارات عامة. ويجيء (ع 21) ليحدثنا عن نتيجة ذلك القول الإلهي حيث نقرأ «فخلق الله التنانين العظام تمييزًا لها عن الزحافات التي فاضت بها المياه كأجناسها. ومرة أخرى نقرأ عن «كل طائر ذي جناح» كجنسه. وهنا يجب ألا يغيب عن ذهننا ما غاب عن ذهن البعض أن الله تعالى جعل هذه الطيور تطير على وجه جَلَد السماء وليس أن المياه هي التي فاضت بها كما يُخطيء البعض فهم المقصود. ولو رجعنا إلى (تكوين 19:2) لوجدنا بكل وضوح أن هذه الطيور قد جُلِبِت من الأرض نظير حيوانات البرية.وللنظرة الأولى لهذه الأعداد التي أمامنا نتعلم أن المقصود بمخلوقات اليوم الخامس هو تلك التي تعمر المياه والهواء كما يعرفها آدم: وليس تلك التي عاشت في عصر من عصور الأحقاب الجيولوجية.أن العائلة الآدمية مدعوّة لأن تعترف بأفضال يد إلهنا الكريم وصلاحه في كل ما صنع وخلق. ولنضع في بالنا أن غاية الروح القدس هي أن يعرفنا أن عمل اليوم الخامس يشمل الدائرة كلها، دائرة الحيوانات المائية، كما يشمل حياة الطيور. فإذا ما حَدثنا الكاتب الملهم عما هو متعلق بالإنسان عمليًا، فذلك توافقه بركة الله الواضحة في قوله «إثمري وأكثري وأملأي المياه في البحار وليكثر الطير على الأرض». بل وأن ما جاء في (ع 26و28). ليزيد هذا التوافق توكيدًا حيث نقرأ عن وضع سمك البحر وطيور السماء تحت سيادة الإنسان، نظير البهائم وجميع الدبابات التي تدب على الأرض. والواقع أن الروح القدس قصد في هذه الأعداد أن يعلن عن نشأة ما وضعه الله تحت سيادة الإنسان، الأمر الذي لا ينطبق باليقين على أزمنة الأحقاب.في اليومين الخامس والسادس نرى المشهد يموج بالحياة. ذلك أن الله هو إله حيّ ويسر بالحياة، وهذه حقيقة تملأ النفس بهجة حتى ونحن نراها في الطبيعة ـ فإذ تنازل الله وأوجد في الأيام الأربعة السابقة بيئة الحياة وظروفها فإنه تعالى يجد مسرته في وفرة الحياة وتنميتها. والأنفس الحية هي التي تقدر بتكوينها الخاص أن تستمتع بظروف الحياة. وها نحن نتعلم من الأعداد التي أمامنا أن فكر الله هو أنه حتى المخلوقات غير العاقلة تستمتع بالبيئة التي وضعها فيها. ذلك ما نفهمه من العبارة الجميلة القوية التي قالها بفمه الكريم حين خلق الأنفس الحية «وباركها الله قائلاً اثمري واكثري» والبرهان على البركة هو الإثمار والتكاثر اللذان يرافقان نشاط الحياة. وفيما يتعلق بنا من الناحية الروحية.فقد هيأ لنا الله بيئة وظروف الحياة الروحية لذلك لزام علينا أن نتدرب على الإستفادة والإستمتاع بتلك الظروف. وهكذا نتمتع ببركة الله. إن السمك الذي في البحر يمثل البشر في حالتهم الطبيعية التي لابد أن يؤخذوا منها للتمتع ببركة ملكوت الله. ويكفينا في هذا الصدد قول سيدنا الكريم لبعض من تابعيه «هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس» (متى 19:4)؛ ثم المثل الذي نطق به حين شبه ملكوت السماوات بشبكة مطروحة في البحر، تمتليء بالسمك الجيد والسمك الرديء؛ وقد تعلمنا من سيدنا أن الجياد من السمك تمثل الأشخاص الذين فيهم عمل إلهي، هؤلاء يجمعون إلى أوعية.كما أن اليوم الخامس بحسب دلالته العددية ـ يشير إلى التأديب الذي قد يتجلى فيه فشلناه غير أننا ندخل بوتقة التأديب لكي نشترك في قداسته تبارك اسمه. أعني أنه في التأديب تأخذ الحياة الجديدة فينا شكلها العملي، وهو ما يُشار إليه في أصحاحنا ”بالنفس الحية“ الخارجة من وسط المياه ـ فالمياه كما رأينا إشارة إلى طبيعة الإنسان المضطربة الساقطة. إلا أن النعمة تستخرج من هذا الشر خيرًا. ومادامت النفس هي مركز الرغبات والحاسيات فأن ”النفس الحية“ تصور الأنشطة الحية التي تمسك بالأمور الأبدية وسط ضغوط ما هو وقتي. أما عن الإتجاه التدبيري فإن الكتاب يُعَلِمنا أن نتوقع زمان ضيق للعالم بعد انتهاء يوم النعمة الحاضر، ضيق لم يكن مثله ولن يكون (متى 21:24و30). ولكنه سيكون للشعب الأرضي بمثابة مخاض تولد فيه الأمة في يوم واحد؛ كما أنه سيخرج من ”الضيقة العظيمة“ جماهير من الأمم الذين غسلوا ثيابهم وبيضوها في دم الخروف. وهذا جميعه إعداد للبركة الألفية. وسيكون ذلك الضيق هو زمن ضد المسيح وغيره من أشكال الشر لذلك لا عجب أن نقرأ في هذا اليوم الخامس عن ”التنانين العظام“ لأن ضد المسيح مع ما يتميَّز به من قوى وكفايات يحوّلها إلى هلاكه، لا يزيد عن كونه أحد مخلوقات الله. وهنا نقرأ القول عن بهيموث ”الذي نرى فيه إشارة لضد المسيح هذا“ «الذي صنعه أعطاه سيفه» (أيوب 19:40). «وقال الله لنخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها: بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها. وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها. ورأي الله ذلك أنه حسن» (ع 54و25).رأينا أن اليوم الخامس كان خاصًا بسكان البحر وجَلَد السماء ـ أما اليوم السادس. أي الجزء الأول منه فخاص بالدبابات الأرضية. ونعود ونقول أن هذا جميعه لا يدخل ضمن نطاق الأحقاب التي حفلت بالكثير من المملكة الحيوانية التي انقرضت وآلت إلى حفريات. وإنما في الأيام الستة نجد فقط ما رآه الله ضروريًا للأرض الآدمية، للإنسان بوجه خاص.ومما يُنفي فكرة البعض التي تنسب الدبابات الأرضية موضوع هذين العددين إلى الأحقاب السابقة، أن هذه الدبابات ظهرت في نفس اليوم الذي خلق الله فيه الإنسان. وببساطة فإن الحق الذي يعرضه علينا هذان العددان هو أن عمل هذا الجزء من اليوم السادس خاص بجميع الأنواع الأرضية التي يقتضيها زمان الجنس البشري. قبل التقدم لتحليل العددين 26و27 الخاصين بخلق آدم من المفيد أن نرى ملاءمة ما قد تمّ في الأيام الخمسة السابقة، وما تمّ في الجزء الأول من اليوم السادس ـ فكم هو ملائم لزمان آدم أن نرى الخليقة الحيوانية والنباتية وقد وصلت إلى ذروة التنظيم، والمنائر السماوية تؤدي وظائفها العادية لخدمة الجنس البشري، والبحار والأرض تزخر بسكانها، ومصادر الماء والبخار والندى تفيض بسخاء منظم وذلك من أجل حياة تختلف عما كان من قبل. وهكذا نرى أنه إن كانت الأحقاب السابقة تمهيدية لعظائم الستة الأيام، فإن الستة الأيام تُرينا الأوامر الألهية الخاصة بآدم ودنياه، تلك الأوامر اليومية المتعاقبة تعاقبًا سريعًا والتي تتوّجت بخلق الإنسان ذاته الذي لم يحتل فقط مكانته في الوجود بل كذلك مكانة في المسئولية قدام الله. اليوم السادس هذا ذو شقين: شقه الأول كما قلنا خاص بنتاج الأرض أي ”الأنفس الحية“. إذن فهو ليس نتاج التأديب ”نظير نتاج مياه اليوم الخامس“، ليس ثمرة إضطراب وهياج الخطية والشر، بل نتاج ما يلائم الإنسان الجديد. ولعل ما نراه في حياة يعقوب ويوسف خير تطبيق: فكما نرى يعقوب يحتل اليوم الخامس، فإن يوسف خير من يشغل اليوم السادس كما سيجيء كلامنا عند ظهور آدم.في الشق الأول من اليوم السادس نرى مخلوقات الأرض الحية كما في إناء نازل «مثل ملاءة عظيمة مربوطة بأربعة أطراف ومدلاة على الأرض» (أعمال 11:10) لكي يتعلم منها بطرس إن الله لا يقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس؛ وأن يبتعد عن نظرته كيهودي حيث كان يعتبر الأمم نجسين، وأن تكون له نظرة للأشياء روحية بحسب فكر النعمة الإلهية. فقد كان عليه أن يتعلم عن واسع آفاق النعمة في شمولها؛ أن الله قد أعطى تطهيرًا للناس بموت المسيح بحيث ينال الجميع، حتى الأمم، غفرانًا لخطاياهم وعطية الروح بالإيمان بالمسيح المُقام.ومن الناحية التدبيرية فإنه إذا كان اليوم السادس سيطالعنا بظهور الإنسان ليحكم العالم بوصفه مخلوقًا على صورة الله كشبهه تعالى، رمزًا لظهور المسيح كإبن الإنسان، فإننا نرى فيه كذلك في شقه الأول ظهور المخلوقات الحية الأرضية، حيث يزهر الشعب الأرضي نظير يزرعيل (إشعياء 6:27؛ هوشع 22:2).«وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع دبابات التي تدب على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته: على صورة الله خلقه، ذكرًا وأنثى خلقهم» (ع 26و27).نحن هنا أمام الشق الثاني من اليوم السادس المزدوج، شقًا تميَّز بوجود الحياة البشرية، أرقى الطبائع الأرضية على الأرض. لقد رأينا فيما مرّ بنا كيف أن الحكمة الإلهية والطرق الإلهية المعلنة قد أعدّت الأرضية المستوفاة، البيئة الكاملة للكائنات الحية التي تعيَّن لها أن تكسو تلك الدوائر، الكائنات التي توجهًا بالإنسان، الكائن الحيّ الأرقى لكي تنتفع وتفيد بما هيأه وأعده صلاح الله؛ مزوّدًا جميعها بقوى وقدرات على الإنتاج والتناسل الدائم، سواء في ذلك ما كان من نبات أو حيوان. من خلال الأحقاب المديدة كان الله بوجه عام يعمل في نشاط خلاق ولكن من دون الإنسان بأعتباره مركز النظام التعاقب ولكن الستة الأيام كانت كما رأينا ذات صلة خاصة بالإنسان الذي احتل مكانه في اليوم السادس تتويجًا للحيوانات التي وُضِعَت تحت سلطانه فيما بعد. وفي هذين العددين لسنا نرى فقط أن الإنسان أخذ يظهر ليحتل مكانه متميّزًا بصورة ملموسة عن الخليقة الحيوانية السابقة والكل ”حسن“ في نظر الله، بل للمرة الأولى نسمع الله وكأنه يتشاور مع نفسه بخصوص هذا العمل العظيم الجديد، أي خلق الإنسان. إذ لا نقرأ هنا مثلما قرأنا ”ليكن“ أو ”لتفض المياه“ أو ”لتخرج الأرض“ ”ولو أنه يُقال فيما بعد أن جسم الإنسان قد جُبِلَ من تراب الأرض“ بل نجد اللغة هنا تسمو كثيرًا «نعمل الإنسان» ”أي البشر“. ونلاحظ أنه لا كلمة هنا على الإطلاق عن أجناس البشر، إذ لم يكن سوى جنس واحد. فمهما يكن من أمر مباهاة الناس بامتيازاتهم ومحاولتهم أن يحطوا من قدر رفاقهم في البشرية، فالبشر ”جنس“ واحد.سوف نقرأ فيما بعد عن إعلان جديد، ليس خاصًا بخلق الإنسان بوصفه رأس الخليقة فقط بل خاص بالرُبُط الأدبية التي وُضع الله الإنسان في دائرتها. أما القول البسيط الذي قرأناه هنا ”نعمل البشر“ فبرهان واضح على الكرامة التي يخلعها الله على الجنس البشري عامة. «نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا» هذا تصريح مقدس أعطى لموسى أن يسجله، تصريح من الخالق العظيم له كل المجد؛ تصريح يُغاير تلك النظرية التي أبتدعها الشيطان، والتي تقول أن الإنسان، البشر عمومًا، من أصل حيواني! أن تصريح الله ينطوي على حقيقة بسيطة وعجيبة في آن واحد، ليس أن الله نزل إلى المستوى البشري، بل أن البشر وحدهم هم الذين خُلِقُوا على هذا المثال الإلهي. في هذين العددين يستخدم الوحي الإلهي لفظين مختلفين «على صورتنا» ثم «كشبهنا» وهما لا يعنيان شيئًا واحدًا كما يُعلمنا الكتاب في شقيه. فاللفظ الأول ”صورة“ يعني التمثيل؛ ”والشبه“ يعني المشابهة. ففي ”التمثال“ ”وهو نفس اللفظ الأول ”صورة““ الذي رآه نبوخذ نصَّر في حلم والذي يرمز إلى الإمبراطوريات العالمية منذ أيامه، نرى صورة تعاقب تلك الإمبراطوريات من الأول حتى النهاية: وهنا لا مكان للمشابهة على الإطلاق وكذلك الأمر في التمثال الذي أقامه نفس هذا الملك في بقعة دورًا، ذلك أن أبعاد التمثال تنفي أنه كناية عن شخصية بشرية، كما نتفي المشابهة مع أي كائن حيّ. ومهما يكن من أمر فما كان التمثال إلا تصويرًا لما أراده ذلك الملك وهو إقامة شيء يكون هدف السجود.ثم لنأخذ حادث الدينار المذكور في (متى 21؛ مرقس 12؛ لوقا 20)؛ فعلى وجهيّ الدينار كانت صورة وكتابة، وكانت كلتاهما لقيصر. ومن المحقق أنه ليس المقصود مطلقًا المشابهة مع قيصر بل مجرد التعبير عن سلطاته ومطالبه من اليهود بسبب إنحرافهم عن الله. هكذا المقصود من كوّن البشر قد خلقهم الله على صورته تعالى (ع 26) هو أنهم يمثلون سلطانه على الأرض؛ وقد تكرر هذا اللفظ وتبيَّن في (ع 27). ولا يُقال مطلقًا أنه تعالى خلقهم على شَبَهه كصورته: لأن الحقيقة التي ينبر عليها الروح القدس هي أن الإنسان قد خلق ”على“ صورة الله، مع أن الإعلان يضُم الشق الآخر أيضًا أي ”كشبهه“ له كل المجد ـ ذلك أنه للإنسان وحده قد أعطى الإمتياز أن يمثل الله على الأرض، الأمر الذي لم ينله الملائكة الذين لا يقال عنهم سوى أنهم مقتدرون قوة وفاعلون أمره عند سماع صوت كلامه (مزمور 20:103) فليس للملاك أن يحكم باسم الله ولا أن يمثله تعالى في نظام خاضع لجلاله، متطلع إلى إحسانه. إنما الإنسان هو الذي منح الإمتياز بأن يمثله في وسط خليقة تعتمد عليه ـ ولكي يخلق الله الإنسان على صورته خلقه أيضًا ”كشبهه“ تعالى، له روح وله قدرة على التفكير، وخال من الشر ومستقيم ـ ومع أنه ـ بسبب دخول الخطية ـ لم يعد الإنسان كشبهه تعالى، لكنه بقى على صورته؛ ومهما يكن عجزه عن تمثيل الله تمثيلاً قويمًا، فإنه ما يزال مسؤولاً عن هذه المهمة، مهمة تمثيل الله. ومن هنا نقرأ في الأصحاح الخامس من سفرنا هذا: «يوم خلق الله الإنسان على شبه الله عمله، ذكرًا وأنثى خلقه وباركه ودعا اسمه آدم». ومع ذلك ففي العدد التالي مباشرة نقرأ أن آدم ولد ولدًا ”على شبهه“؛ أي أن شيث شابه أباه بعد أن سقط كما أنه ”كصورته“ أي كممثل له. وإذ نمتد إلى الأصحاح التاسع، إلى ما بعد الطوفان نقرأ عن الإنسان «لأن الله على صورته عمل الإنسان». ومن أجل ذلك فإن قَتل الإنسان إنما هو تمرد على صورة الله، ولو أن الإنسان لم يعد بعد السقوط كشبه الله تعالى. وفي (كورنثوس الأولى 11) نجد توكيدًا آخر لهذا الحق فهناك نقرأ عن الرجل أنه «صورة الله ومجده» أي بوصفه مُمَثلاً له تعالى؛ كما نقرأ عن المسيح سيدنا، الإبن المتجسد أنه «صورة الله غير المنظورة» لكن لا نقرأ عن شخصه الكريم أنه ”كشبه“ الله. حاشا ـ لأنه هو الله ـ وجميل. بهذه المناسبة أن نقارن (كولوسي 10:3؛ كورنثوس الثانية 18:3)؛ وبعد ذلك نرى النتيجة المجيدة في (رومية 29:8؛ كورنثوس الأولى 49:15). أيضًا لا يجب أن نخلط حالة آدم قبل السقوط بالإنسان الجديد «المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق». فذلك وصف للخليقة الجديدة وليس وصفًا لحالة آدم الأول وهو في وضع الإستقامة والبراءة الأول؛ نعم، هو وصف للخليقة الجديدة المتصفة بمعرفة الخير والشر إلى جانب القوة الممنوحة بالنعمة لتجنب الشر والتمسك بالخير، الأمران اللذان يتضمنهما البر وقداسة الحق. فتلك ليست الطبيعة، بل هي أسمى وأرقى من الطبيعة في المؤمنين الذين صاروا شركاء طبيعة إلهية (بطرس الثانية 4:1). ومع هذا، ومع أن حالة آدم أبعد بما لا يُقاس عن حالة المسيح كالرأس المُقام والممجد، فقد أعطى الإنسان أن يكون له، مع كونه مخلوقًا ـ نصيب أسمى مما لكل الخليقة التي أخضعها الله لسيادته «على صورة الله كشبهه» وإزاء إعلانات الكتاب البسيطة الواضحة هذه. ما أشد سخف مزاعم نظرية التطور؛ فإنها بوصفها نظرية تتعارض ـ منطقيًا ـ مع القوانين الثابتة التي يُنادي بها نفس الفلاسفة دعاة هذه النظرية، لكي يبعدوا الله عن المشهد! إذ كيف يوّفقون بين الناموس الثابت وبين تغيّر الأنواع؟قال الله «نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرًا وأنثى خلقهم. أنظر أيها القاريء كيف أن موسى يقول بلغة اليقين أن الله خلق الجنس البشري ـ كان يكفي ان يقول مرة واحدة أن الله خلق الكون يوم صار له وجود؛ وإن يقول مرة أخرى عند إدخال الطبيعة الحية إلى الأرض الآدمية في (ع 21). لكنه يعود ويقولها ثالثة ليلتفت بشدة أولئك الذين يرتعدون من كلام الله. فليس فقط أن آدم مخلوق ليس له أصل سابق بل أن له مكانًا في فكر الله، مكانًا خاصًا فريدًا، ليس فقط في الزمان بل للأبدية كلها. ومع أن هذه الحقيقة الأخيرة تتطلب إعلانات أخرى عن فكر الله، فكيف ما هو أمامنا الآن، لنستدل على مكانة الإنسان كمن وضعه الله أصلاً وأقامه على الأرض.نتعلم من الكتاب أن آدم هو ”المثال الآتي“ ومن هو الآتي سوى الرب يسوع الذي لابد أن يوضع كل شيء تحت سيادته. في المزمور الثاني نرى مجد مُلك الرب يسوع على ”جبل قدس“ يهوه وذلك بوصفه ”ابن الله“ وهو في حجاب الناسوت «أنا اليوم ولدتك» لكن في المزمور الثامن نرى مجدًا أوسع آفاقًا، مجد شخصه الكريم ”كإبن الإنسان“ حيث نقرأ قول المرنم «إذا أرى سمواتك عمل أصابعك القمر والنجوم التي كونتها فمن هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده وتنقصه قليلاً عن الملائكة وبمجد وبهاء تكلله، تسلطه على أعمال يديك، جعلت كل شيء تحت قدميه، الغنم والبقر جميعًا وبهائم البر أيضًا وطيور السماء وسمك البحر السالك في سيل المياه» (مزمور 3:8ـ8).نحن نعلم ـ بالإستناد إلى المكتوب ـ أن أنبياء العهد القديم كانوا ”فيما أُنبِأوا به“ باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح؛ ولاشك أن داود لم يكن يدرك ما أدركه الرسول بولس من هذه الأقوال وأنها كانت عن شخص ربنا يسوع كابن الإنسان (كورنثوس الأولى 27:15؛ أفسس 22:1؛ عبرانيين 8:2و9) ـ فهو له المجد ـ ابن الإنسان ـ الأمر الذي لم يكن ينطبق على آدم ـ ولئن كان الرسول بولس في (عبرانيين 9:2) يُرينا سيدنا «الآن مُكللاً بالمجد والكرامة» فذلك لن يُعطل أو يُبطل مجده الظاهر للعيان يوم يأتي ”كابن الإنسان“ ويوضع كل شيء تحت قدميه.ولو رجعنا إلى نِّبوة دانيال قليلاً لوَجَدنا في الأصحاح الرابع حدود السلطان المُعطى لنبوخذ نصَّر «وتحتها سكن حيوان البر وفي أغصانها سكنت طيور السماء» دون إشارة إلى سمك البحر كما في المزمور الثامن: الأمر الذي يؤكد شمول سلطان سيدنا على كل المخلوقات في يوم مجده، فحينما يأتي سوف يحتل المكان الأول، مكان السيادة المطلقة كما حدث مع آدم كمثال. والواقع أنه ما من شيء لا يتمركز في المسيح ويكون صحيحًا سليمًا، في مساره السوي. مكتوب «الله لم يره أحد قط» (يوحنا 18:1) من أجل ذلك رأي الله ضرورة أن يأتي «الإبن الوحيد الذي هو في حضن الآب» لكي ”يُخبِر“ وهكذا يقول الرسول أنه حينما ظهر في الجسد كان وحينما يملك،«صورة الله الغير المنظور» (كولوسي 15:1) حاملاً هذه ”الصورة“ فإنه سوف يُنير الكون قاطبة بنور الله. إن كل شيء سوف يوضع تحت تأثير وسلطان وسيادة ذلك الإنسان المجيد، وتحت حكمه ورئاسته سوف يكون الكل لمسرة الله. وفي عهدنا الحاضر، وقبل الملكوت الظاهر في يوم المجد، فإن كل ما يوضع تحت سيادة الرب يأخذ مسيرته المستقيمة بحسب فكر الله. فالإنسان الذي يخضع لسيادة المسيح هو زوج صالح، أب صالح، أم صالحة، ولد صالح، خادم صالح؛ أعني أن كل الروابط الطبيعية تأخذ وضعها السليم لمسرة الله. وكذلك الشأن في الدائرة الروحية. وهنا ما أسعدنا نحن المؤمنين إذ توجد تحت سيادة ربنا يسوع المسيح سواء في علاقتنا البشرية أو شركتنا مع بعضنا البعض.ومن الناحية التدبيرية فإن هذه هي صورة الملكوت الألفي الذي هو جزء من الستة الأيام ولا شأن له باليوم السابع الذي إنما يُشير إلى الأبدية التي هي بحق ”راحة الله“ كما سيأتي الكلام في حينه. « وباركهم الله وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض» (ع 28). أن أول ما نفهمه من هذا العدد هو أن ”آدم“ الأول الذي كان قد ”خلقه“ في النصف الأخير من اليوم السادس، ”آدم“ الذي ”جبله“ الرب الإله «تُرابًا من الأرض» هو أبو الجنس البشري قاطبة، ذلك الجنس الذي يتوجه له هذا الأمر الكريم «أثمروا وأكثروا …» نعم، هو أبو الجنس البشري، هو ”النوع“ الوحيد لذراريه، هو الممثل الوحيد لأنواعه. وأنظر هذا الشرف الذي للمرة الأولى يتمتع به من خلقهم الله. لقد قرأنا في أعداد سابقة عن مخلوقات اليوم الخامس «وباركها قائلاً اثمري واكثري …الخ» وتلك كانت البركة الأولى «لذوات أنفس حية» تعمر مياه وهواء عالم آدم، وكانت هي أول ما يتمتع بالحياة الحيوانية. ذلك أن الله يجد مسرته في بركة مخلوقاته التي لها حياة ولو كانت من رتبة وضيعة ـ حياة تستمتع بثمار صلاحه الإلهي وبخاصة فيما يتصل بالتناسل والتكاثر في داخل دائرتها.كانت تلك هي البركة الأولى. لكن قف متأملاً خاشعًا أمام البركة الثانية التي نحن بصددها. فلسنا هنا نقرأ مجرد ”القول“ بأن نثمر تلك المخلوقات وتكثر وتملأ الأرض بل نقرأ ”وقال لهم“ من هم؟ الجنس البشري، الذكر والأنثى: هما وحدهما اللذان يقول ”لهما“ الله هذا القول الكريم. ذلك أن الإنسان هو مستودع إعلان الله، الإنسان صار كاهنًا لله؛ الإنسان صار نائبًا عن الله. وهذا أكثر بما لا يُقاس من ذلك القول الذي يُنادي به العلماء، من أن الإنسان هو مفسر الطبيعة، كلا يا قوم فهوذا الإنسان قد دخل في صلة، شركة كلام مع الله وذلك فوّر وجوده. وهكذا نفهم أن اللغة ـ لغة الكلام. ليست اختراعًا بطيئًا من قِبَل الإنسان، ليس ابتكارًا من نتاج ذكائه استغرق مراحل زمنية، بل هي منحة مباشرة لأبوينا من قِبَل الله وذلك منذ الخلق. وها هي كلمته تؤكد لنا حقيقة تلك الهبة للوهلة الأولى لوجود الإنسان بحيث أن أي تصوّر غير هذا أنما هو عدم إيمان بالكتاب وتفضيل لأفكار البشر وأحلامهم. لقذ كان مجرد ”القول“ كافيًا للخليقة غير العاقلة؛ إنما للزوجين البشريين فالأمر يتعدى ذلك إذ ”قال لهم“ وماذا ”قال لهم؟“ «اثمروا واكثروا واملأوا الأرض»، ومع أن الإنسان ”مخلوق“ كما كانت «ذوات الأنفس الحية» ”مخلوقة“ كذلك غير أنه يدخل مشهد الخليقة بصورة غير عادية بوصفه تتويجًا للخليقة.وبعد ذلك يجيء إعلان السلطة الحاكمة التي اسبغها الله عليهم، فليس من امتيازهم فقط أن يكثروا ويملأوا الأرض، بل أن يخضعوها. ثم يتنازل الله ويُضيف إلى ذلك السلطان على الأرض «تسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض» وهكذا نرى الإنسان متميّزًا تمييزًا جوهريًا إذ أُعطيَّت السيادة والسلطان له ليُخضع الأرض. وسوف نرى من الأصحاح الثاني كيف بدأ آدم يمارس هذه السيادة حيث دعاه الله أن يعطي كل حيوانات البرية وكل طير السماء مُسميات ويسجل الوحي هذا الإعلان «وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها» وفي هذا تفنيد واضح لنظرية التطور عند داروين. إن آدم هو الذي أطلق الأسماء على كل الحيوانات والطيور وليس أن هناك ”أصل أنواع“ خرج منه الإنسان. وإلى جانب هذا الإستنتاج السليم فإن الله تعالى يعترف بالإنسان في وضعه موضع التسلط عليها أجمعين حتى يُعطي أسمًا لكل واحد من رعايا سلطانه.كلا يا قوم! لقد خلق الإنسان ليتطلع إلى أعلا، ليس فقط من حيث الوضع الخُلقي الطبيعي بل من الناحية الأدبية: يتطلع إلى أعلا في اعتمادية دائمة على الله كمصدر كل صلاح كواهب الخير كله. ولكنه مع الأسف سعى إلى الإستقلال عن الله عن طريق الخطية فاكتسب الضمير الذي بدأ شريرًا للوهلة الأولى: الضمير الذي جعله ينظر إلى تحت، بينما لا تزال كبرياؤه تدّعى غير ذلك. لقد خسر الله وانحرف عنه تعالى ووضع فكره على المخلوقات التي دونه حتى انتهي به المطاف أن يؤله تلك المخلوقات ويسجد لهن! لكن ابن الله أخلى نفسه أو أخذ صورة عبد، وصار في شبه الناس فاتضع وأطاع حتى الموت، موت الصليب، حيث نمجد الله من جهة الخطية بواسطة الكفارة، وحيث وضع الأساس لخلاص بار لجميع الذين يؤمنون. لقد كان الإنسان المتأله هو الطعم الذي قدمه الشيطان لأبوينا، ولخرابهما؛ أما الله المتأنس، فهو نصرة الحق والنعمة، عن طريق الموت في الطاعة؛ وللفداء. «املأوا الأرض واخضعوها». إن هذا القول الكريم يحمل في طياته ـ من الناحية الروحية ـ القوة لإخضاع كل عنصر مُضاد، وتلك القوة في المسيح القادر أن يؤلف بين كل شيء ليكون الكل متطابقًا مع فكره السامي ومشيئته الكاملة كالرأس. وفي هذا نقرأ القول عن سيدنا أنه «سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده حسب عمل استطاعته أن يخضع لنفسه كل شيء» (فيلبي 21:3) ولكن حتى قبل هذه العملية المجيدة التي سوف يتممها لمجده فإن الإخضاع والتغيير عمليتان مستمرتان كنتيجة لقوة ذاك الذي هو صورة الله وهو الله.ليلاحظ القاريء العزيز انتقال الوحي من الكلام عن الإنسان من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع. لم يكن الوحي قد أتى على المرأة إلا في الأصحاح الثاني ومع ذلك فإنه تكلم عن أكثر من واحد في قوله ”وباركهم“ واعطاهم ”أن يتسلطوا“ لأن حواء كانت في آدم حينئذ وقد نالت البركة فيه. وكل الخليقة قد خُلقت من أجلهما معًا. وفيه قد نالت مقامًا ولو أنها لم تكن في الوجود بعد إلا أنها كانت في مقاصد الله واحدًا في الرجل.وهكذا الأمر مع الكنيسة أيضًا ـ عروس الإنسان الثاني. فمقامها منذ الأزل كان في المسيح رأسها وسيدها وعريسها. كما نقرأ في الأصحاح الأول من أفسس «كما أختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم في المحبة أمامه» فقبل أن يوجد عضو من أعضاء جسد المسيح في الوجود كانوا جميعهم مُعيّنين حسب فكر الله الأزلي ليكونوا مُشابهين لصورة ابنه. فمشورة الله تقضي أن الكنيسة تكون ملء الإنسان الثاني «أنها ملء ذاك الذي يملء الكل في الكل» وهو مُقام سام فيه سر عظمة ومجد وأهمية الكنيسة. إن الفكر الشائع بين جمهور الناس أن الفداء له بركات وفوائد تتجه نحو المؤمنين كأفراد ولكن هذا ليس هو الفكر الأسمى ولو أنه صحيح أن جميع البركات الموعود بها المؤمنون هي لكل فرد منهم فعلاً بلا نزاع ولكن هذا أقل ما يُقال عن نتائج الفداء لأن مجد المسيح مقترن بنوع أسمى بالكنيسة ومتعلق بوجودها. وفي هذا التعبير من القوة والبلاغة والمتانة ما لا يوجد في التعبير الأول. لأني متى تحققت من كلمة الله إني عضو لازم لتكميل جسد المسيح فلا يوجد عندي أقل ريب أن كافة أعوازي ونقائصي قد وفاها هو. وهل كانت الكنيسة ضرورية للمسيح؟ نعم لأنه «ليس جيدًا أن يكون آدم وحده فاصنع له مُعينًا نظيره» وأيضًا «لأن الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل ولأن الرجل لم يُخلق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل …غير أن الرجل ليس من دون المرأة ولا المرأة من دون الرجل في الرب لأنه كما أن المرأة هي من الرجل هكذا الرجل أيضًا هو بالمرأة ولكن جميع الأشياء هي من الله» (كورنثوس الأولى 8:11ـ12) إذن المسألة ليست فيما بعد إمكان الله قبول وخلاص الضعفاء المساكين ولا هي مسئلة غفران خطاياهم وقبولهم بقوة بر الله. بل أن الله قال «ليس جيدًا أن يكون آدم وحده» فكما لم يترك الإنسان الأول بلا معين لم يترك الإنسان الثاني بلا مُعين؛ وكما أن الخليقة الأولى كانت تُعَد ناقصة بدون حواء هكذا الخليقة الجديدة تُعَد ناقصة ـ ويا لخطورة هذا الفكر والمُجاهرة به ـ بدون العروس أي الكنيسة. «وقال الله إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزرًا على وجه كل الأرض وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزرًا، لكم يكون طعامًا؛ ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية أُعطيَّت كل عشب أخضر طعامًا. وكان كذلك. ورأي الله كل ما عمله فإذا هو حسن جدًا. وكان مساء وكان صباح يومًا سادسًا» (ع 29ـ31).لا زال الإنسان يحتل مكانه الممتاز في مخطط الله، وهذا وهو في حالة الإستقامة؛ ذلك أنه بعد السقوط دخل الفساد والظلم؛ وإلى ما قبل الطوفان كان ممنوعًا على الجنس البشري أن يأكلوا الحياة الحيوانية، إذ كان البقل والثمر هو طعام الإنسان، كما أعطى للخليقة التي كانت تحت سلطانه أن تعيش على العشب. وإلى ما قبل دخول الخطية لم يكن للموت مكان في الأرض الآدمية. ولئن قرأنا للرسول بولس أقواله في ( رومية 12:5ـ21) عن دخول الموت إلى العالم كأحدى نتائج دخول الخطية بعد سقوط رأس الخليقة الأولى، فذلك القول إنما يقتصر على دائرة الجنس البشري. لكننا نرى الرسول عينه، وفي ذات الرسالة، ينظر إلى ”كل الخليقة“ وقد خَرُبَت بسبب سقوط رأسها (رومية 19:8ـ22).وأرجو ألا يغيب عن ذهن القاريء أن هذين الفصلين (رومية 5و8) لا يتعرضان إلى حالات الأرض التي سبقت آدم والتي هي موضوع العددين الأول والثاني من إصحاحنا الأول هذا من سفر التكوين: ففي تلك الحالات كانت تنشأ ظروف ثم تتلاشى، الأمر الذي يدع مجالاً للموت في وسط الحيوانات الكائنة حينذاك: الموت بوسيلة أو أخرى. ومهما يكن الأمر في تلك الحالات فإن الستة الأيام إنما تصف تكوين الأرضية التي عليها يمتحن الله الإنسان بكل الوسائل حسب الحكمة الإلهية؛ وكان في فكر الله أنه في الوقت المُعيَّن يدخل المسيح ابن الله لكي يمجده كإنسان ليس فقط في الطاعة بل كذلك في الفداء، وحينئذ يوجد خليقة جديدة دائمة أبدية، وذلك في شخص رأسها المجيد في الأعالي. الأقوال التي أمامنا خاصة بالإنسان والأرض قبل السقوط، وما كان أسعده وضعًا وضع الخالق العظيم فيه خليقته ورأسها، وضعًا يوافق صلاحه الإلهي، ومن هنا قوة الكلمات الأخيرة التي تكشف عن شبع الله في صورة جميلة حيث نقرأ القول «ورأي الله كل ما عمله ”أي في الأرض الآدمية“ فإذا هو حسن جدًا». وقد رأينا هذا التقدير الإلهي في الستة الأيام ـ ماعدا اليوم الثاني؛ لكن في الختام ينظر إليه إلى عمله المجيد في مجموعه، وإذا به في عينيه تعالى ”حسن جدًا“، «يفرح الرب بأعماله» (مزمور 31:104).إن الكتاب المقدس وحده ـ دون كل شهادة سواه ـ يقدم لنا كيف سارت الأمور، كيف تمّ كل شيء، وذلك في أبسط وأوضح وأكمل تفسير وفي كلمات موجزة. لقد صنع الله الإنسان مستقيمًا، وأحاطه بكل ما هو ”حسن جدًا“، لكنه وضِع في موضع امتحان الطاعة كما سنرى، لكنه انحرف عن الله بمكايد العدو وبرغم الإنذار الخطير، فأخطأ؛ ومن ثم جلب الموت لنفسه وذريته، ”وأُخضِع للبُطل“ الخليقة التي كانت تحت سلطانه. على أن الله تبارك اسمه أظهر صلاحه حين أعلن عن نسل المرأة الذي يقهر العدو ولو على حساب تكلفة الألم من ناحيته له كل المجد.وهكذا نرى الله تبارك اسمه، ومن البداية، يعلن الرحمة التي تفتخر على الحكم، ولو أن الخطية تركت بصماتها الحزينة وآثارها على جنس طريد وعالم ملفوح، حيث لم يبق فيه مخلوق واحد على حاله التي أوجده الله فيها. قد تكلمنا ـ من الناحية الروحية ـ عن قوة الحياة التي لنا في المسيح؛ على أن عمل هذه القوة يستلزم الطعام الحيّ، ومن هنا نجد فكرة الطعام في العددين 29،30 «أني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزرًا … وكل شجر فيه ثمر يبزر بزرًا: لكم يكون طعامًا». فالبقل وثمر الأشجار هو الطعام الممنوح للإنسان؛ ففي البزر صورة لشيء حيّ، أعني أن في الطعام قوة الحياة. وإن كنا لا نجد في الخليقة الضخمة ما هو اصغر حجمًا من البذرة، ولكن من يستطيع أن يُقدر ما تحمله من إمكانيات للحياة؟. وفي هذا الميدان كم من ضعف روحي مرجعه إلى نوع الطعام الذي يعيش عليه المؤمن؟. وقد قال الرب بفمه الكريم «مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله». كما قال له المجد «أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم»؛ ثم قال مرة أخرى «كما أرسلني الآب الحيّ وأنا حيّ بالآب فمن يأكلني فهو يحيا بي». وفكرة الطعام تلازمنا حتى القيامة إذ يسجل المؤرخ الإلهي أن الرب يسوع تناول طعامًا بعد قيامته من بين الأموات؛ بل وفي المدينة السماوية توجد شجرة الحياة للأكل. ومن هذا جميعًا نتبيَّن أهمية الطعام كمصدر القوة والعضد. نعم، ومن المهم أن يكون لنا طعام حيوي، فنسأل أنفسنا هذا السؤال: هل في الطعام الذي نتناوله قوة الحياة الجوهرية؟ إذا كان الجواب سلبًا فهو إذن طعام رديء. وفي الفصل الذي أمامنا نرى المبدأ ذاته حتى فيما يتعلق بالحيوانات التي أعطاها الله «كل عشب أخضر طعامًا، أي أنها تتناول طعامًا طازجًا، مليئًا بعصارة الحياة. والأمر كذلك معنا في هذه الناحية: فإذا شئنا أن تكون لنا أبدًا جدة الحياة وحيويتها، ينبغي أن نبحث عن الطعام الطازج المليء بالحياة.
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire