رسالة الحكمة

العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى و لم يؤمن بها.

شرح الآية 2 من سفر التكوين

وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. (التكوين ١: ٢) 

وليم مارش

السينودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان. جميع الحقوق محفوظة

التكوين ١: ٢

خَرِبَةً وَخَالِيَةً وفي العبرانية «توهو وبوهو» أي قفراً وتشويشاً. وَعَلَى وَجْهِ ٱلْغَمْرِ ظُلْمَةٌ إن النور ناشئ عن انضغاط دقائق المادة أو تكاثلها أو تموج ناشئ عن الفعل الكيمي. فذكر «الظلمة» موافق لما يقتضيه الخلق والفراغ قبل تكوين الأرض وتركيبها وترتيبها. و «الغمر» في العبرانية «تهوم» أي العمق وهو من أصل معناه تشويش. ومعنى «الغمر» في قول المرنم «غمر ينادي غمراً» (مزمور 43: 7) موج البحر الدائم ومعناه هنا الخلق ومجموع مواد بلا ترتيب. قال العلامة سَيس في كتابه الذي ألفه في التكوين الكلداني «جاء في الأساطير البابلية إن مروداخ الملك غلب تيامت» وتيامت هو «تهوم» في العبرانية وأبرز الترتيب والجمال من التشويش الأصلي. وَرُوحُ ٱللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ ٱلْمِيَاهِ أو ريح الله. وأكثر مفسري اليهود يفسرون الروح هنا بريح عظيمة من الله. واعتاد العبرانيون أن ينسبوا إلى الله ما يريدون تعظيمه ففي سفر التكوين قول بني حث لإبراهيم «أَنْتَ رَئِيسٌ مِنَ ٱللهِ» أي رئيس عظيم (تكوين 23: 6). وفيه قول راحيل «قَدْ صَارَعْتُ مُصَارَعَاتِ ٱللهِ» أي مصارعات شديدة عظيمة (تكوين 30: 8). وفي المزامير قوله «عَدْلُكَ مِثْلُ جِبَالِ ٱللهِ» أي مثل جبال عظيمة (مزمور 36: 6). وقوله «أغصانها أرز الله» أي أرز عظيم أي كبير الحجم وفي سفر صموئيل الأول «لأَنَّ سُبَاتَ ٱلرَّبِّ وَقَعَ عَلَيْهِمْ» أي سبات ثقيل عميق (1صموئيل 26: 12). وعلى هذا ذهب جماعة من علماء التفسير إلى أن المقصود «بالروح» هنا ريح عظيمة بدد الله بها ظلمات الغمر والخلو. فدل هبوبها على شروع الروح الأزلي في ترتيب أمور العالمين كما دل عصف الريح يوم الخمسين على حضور ذلك الروح وشروعه في ترتيب أمور العهد الجديد. وجاء في مقالة يهودية اسمها الصوهار إن المقصود بالروح هنا روح المسيح. وكثيراً ما اتخذ المسيحيون هذه الآية رمزاً إلى الروح القدس الأقنوم الثالث في اللاهوت مع تسليمهم إن المقصود بها أصلاً ريح إلهية تدل على شروع ذلك الروح القدير في صنع كل شيء وتشير إلى ظهور الروح القدس في العهد الجديد. وجاء في نبوءة إشعياء «يَبِسَ ٱلْعُشْبُ، ذَبُلَ ٱلزَّهْرُ، لأَنَّ نَفْخَةَ ٱلرَّبِّ هَبَّتْ عَلَيْهِ» (إشعياء 40: 7). وفي المزامير «ٱلصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ (أو رسله) رِيَاحاً » (مزمور 104: 4). وفي العهد الجديد «اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ... هٰكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱلرُّوحِ» (يوحنا 3: 8). ومعنى العبارة التكوينية أنه «بنفخته السموات مسفرة» وإنه «بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ صُنِعَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ (أي بروح) فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا» (مزمور 33: 6). ولا نرى بهذه العبارة وغيرها مجرد فعل الروح المادي أي الخلق بل نرى أيضاً القدرة الإلهية قدرة الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس. ولا موضع هنا للدخول في أن نبين اشتمال هذه الآياة القديمة على كل التعاليم الإلهية التي لم تُعلن الإعلان التام إلا في الإنجيل فنقتصر على أن نقول إن في سفر التكوين أصول كل الحقائق الإنجيلية. يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ ٱلْمِيَاهِ «كَمَا يُحَرِّكُ ٱلنَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ» (تثنية 32: 11) و هذا أيضاً يشير إلى ذات عاملة. وهنا أمران (1) إن هذا الرف لم ينشأ عن المخلوقات بل عن مبدع خارج عنها وأعلى منها. (2) إنه يشير إلى فعل لطيف ينشئ الحياة والنور بالتدريج. وذلك كله قبل بداءة أيام الخلق الستة. ويحسن قبل الشروع في تفسير هذا الأصحاح على ترتيب تلك الأيام إن نذكر بالإيجاز ما أبانته العلوم الطبيعية مما سُطر في مؤلفات العلامة الفاضل الدكتور كَنس اللندني الذي أحكم كل العلوم أحسن إحكام ووقف على تمام الوفاق بين سفر الطبيعة وسفر الوحي. وخلاصة ذلك إن في ما تحقق من المكتشفات في عِلمي الهيئة والجيولوجيا أي علم طبقات الأرض خمس عشرة حادثة علمية مرتبة على نسق لا يتغير ثبتت بالأدلة القاطعة. وقد وجدنا تلك الحوادث على ذلك الترتيب في الأصحاح الأول من سفر التكوين كما سترى. فكيف عرف موسى أن يرتب تلك الحوادث على ما يقتضيه العلم الصحيح ولم يدرس كتب المكتشفات الحديثة في الهيئة والكيمياء والجيولوجيا. وكيف يدرس ما لم يكن وما لم يخطر على بال عالم إلا بعد عصره بثلاثة آلاف وخمس مئة سنة ولم يدركوه إلا بشق الأنفس. وهل من سبيل طبيعي إلى معرفة ما اتفق عليه علماء القرن التاسع عشر قبل خمسة وثلاثين قرناً ذلك من أول صنوف المحال. فبقي أن يُقال إما أنه كتب ذلك بالوحي وهو الحق وإما أنه كتبه اتفاقاً أو حدساً أي ظناً وتخميناً وكلاهما باطل لاستحالته في ترتيب خمس عشرة حادثة بلا أدنة خطإ. قال الدكتور كَنس إذا أخذنا خمسة عشر مفتاحاً مختلفة الصور وأردنا ترتيبها بالحدس والاتفاق لاحتمل ذلك أن نخطئ أكثر من ألف ألف وثلاث مئة ألف مليون مرة. ويظهر لك ذلك من ضرب بعض أعداد السلسلة الطبيعية من الواحد إلى الخامس عشر في بعض هكذا: 1×2×3×4×5×6×7×8×9×10×11×12×13×14×15 وحاصل ذلك ... 368 674 307 1 وهذا دليل قاطع على استحالة أن يكون موسى قد أصاب ترتيب الواقع بالحدس والاتفاق وبرهان لامع على أنه كتب بوحي الله. ولنأخذ هنا في سرد تلك الحوادث لبيان الوفاق العجيب بين الوحي والطبيعة وذلك ما تراه في الجدول الآتي. فانظره ذاكراً إن علم الهيئة أثبت إن المادة كانت في أول أمرها أثيراً أي ألطف من الهواء وكانت مظلمة مشوشة.

خمس عشرة حادثة علمية موافقة لكلام موسى

عدد الحوادثالعلمموسى1كانت عوالم قبل النظام الشمسي «في البدء خلق الله السموات والأرض» ع 1 2كثف الأثير فكان سديماً منيراً واشتد كثافة فكان منه شموس وعالمون «قال الله ليكن نور» ع 3 3لما برد وجه الأرض اتحد بعض الغازات المحيطة بها ببعض وامتزج بعضها ببعض فكان من ذلك الهواء والماء «ليكن جلد» ع 6 4حدث على توالي التبرد ارتجاجات وتشنجات عظيمة انقلبت بها الصخور واندفعت وتفرقت على وجه البحر فكانت من ذلك الجبال والجزائر والقارات «لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة» ع 9 5إن أقدم أنواع النبات الذي آثاره في الصخور هو النبات المائي كبهق الحجر أو حزاز الصخر والفطر والطحلب والخنشار مما لا بزور له فيتولد من الجراثيم نباتات بدلاً منها «وقال الله لينبت الأرض عشباً» ع 11 6ثم نبع ذلك النوع الأدنى من النبات ذي الأزهار والبزور العارية المسمات بالجمنسيرم نظير الأشجار الحاملة الكنافج كالصنوبر والسرو والأرز «وبقلاً يبزر بزراً» ع 11 7وتلا ذلك نوع آخر من النبات ذي الزهر دنيء الثمر مما آثاره في الطبقات الفحمية وأما الجنس الأعلى من ذوات الأثمار فكان بعد ذلك «لما غرس الله جنة في عدن» ص 2: 8. «وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً كجنسه بزره فيه» ع 11 8إن الأرض كانت بمقتضى الأدلة إلى نهاية المدة الفحمية محاطة ببخار حام وكانت كإقليم واحد معتدل ثم ارتفع هذا البخار وانحل وبتغير وقوع أشعة الشمس على التوالي توالت الليالي والأيام والفصول كما هي العلة اليوم «وقال الله لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين» ع 14 9إنه بعد الفحمية ظهرت أنواع كثيرة من الحيوانات البحرية وغصت الأبحر بالحيوانات المتنوعة «وقال الله لتفض المياه زحافات ذات نفس حية» ع 20 10في الطبقات الرملية الحديثة آثار مخالب طيور مختلفة «وليطر طير فوق الأرض على وجه جلد السماء» ع 20 11في الطقات التي فوق الرملية عظام حيوانات كبيرة جداً من سمك ودبابات «فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كأجناسها» ع 21 12ظهر قبل البهائم وحوش هائلة كالدينوثيريوم وغيره «فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها» ع 25 13ظهرت البهائم كالبقر والإيل قبل الإنسان في طبقات الصخور الحديثة «والبهائم كأجناسها» ع 25 14رأى العلامة أغاسيز أنه ظهر أهم الأزهار الحاضرة والأشجار المثمرة والحبوب كالقمح والشعير قُبيل ظهور الإنسان «وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً. وأنب الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل» ص 2: 8 15إن أسمى المخلوقات وأنواع الحيوان هو الإنسان «فخلق الله الإنسان على صورته» ع 27



شاركه على جوجل بلس

عن منتصر بوعجيلة

باحث في الدراسات الدينية المقارنة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire