رسالة الحكمة

العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى و لم يؤمن بها.

أفكار ومعتقدات الهند: الأوبانيشاد

 ثمة شاهد شعري على التفكير الفلسفي المتمثل في المسألة التي تبحث في أصل الوجود نجده في نشيد الخلق الشهير في الرغفيدا: الواحد أساس الكون وهو يسبق الفصل بين الوجود واللاوجود وظهور الآلهة.

"في البداية لم يكن اللاوجودا ولا الوجودا، ولا خلاء ولا سماء فوقه، من أوجد العالم، من احاط به، أين كانت الهوة السحيقة، أين البحر؟"

الأوبانيشاد:(بين 800 و500 ق,م) لا تحوي الأوبانيشاد أية عقيدة فلسفية متجانسة، بل جملة من التصورات، أشهرها وأشدها تأثيرا هي عقيدة الوحدة بين برهمان وأتمان.

البرهمان يمكن تصوره كالمبدأ الذي يسكنه أصل الموجودات كما لو كان ماهية العالم.

الاتمان تشير إلى ذات( نفس) الأاشياء المفردة، بمعنى أنها تشكل ماهيتها الخاصة. تتحد الأتمان بما يضاف إلى الإنسان من خارج بما ليس خاصا به.

أما المعرفة الحاسمة التي يجب أن يتوصل إليها الإنسان فهي معرفة أن البرهمان والأتمان هما في الأساس واحد فلا وجود إلا للواحد الذي هو مبدأ العالم ومدبره، كالروح التي تحيط بباطنية الوجود غير القابلة للفساد.

"بالحقيقة إن البهمان هو هذا العالم كله إنه الأتمان الخاصة بي الموجود داخل قلبي"

أما الفكرة العامة الثانية فهي عقيدة الكارما والتناسخ:

فالإنسان سيولد مجددا وسيعطى شكلا جديدا، ولذلك ارتباط بأعماله(كارما)

إن سلسلة التوالد سلسلة أبدية، ذلك أن كل فعل سيحدد تحوّل الروح ضمن دائرة مسيرتها.

إن مفهوم سمسارا يعني اشتباك الإنسان أو تورطه في مسيرة العالم هذه. فعليه تقع مسؤولية تنظيم العالم أخلاقيا، ثم إن الأفعال حسنها وسيّئها ستقوده في مستقبل وجوده إلى شكل حياة جديدة أعلى أو أدنى.

خلف ذلك كله نجد فكرة نظام عالمي أزلي(دارما) ينظم كونيا كل ما يجري في العالم ويتمظهر للإنسان كمقياس لتصرفاته.

إن المرء مجبر على أن يعيش بالتوافق مع دارما الخاصة به، وذلك يتمثل بقيامه بما يقع عليه من واجب تبعا لموقعه الاجتماعي.

نلمح في العصر الأوبانيشادي سيطرة للتحول القيمي للوجود الإنساني باتجاه التشاؤم.

فالوجود الإنساني ينظر إليه في آلامه وفي زواله. فالألم يتولد باستمرار عبر تبدل الأزلي بين الولادة والموت. تبدو خيرات الحياة دون قيمة إذا ما قورنت مع برهمان الذي لا يزول.

هكذا تبدأ الرغبة في الخلاص (موكشا)، للتحرر من دائرة التناسخ، وبما أن الأفعال هي السبب وهي اللحمة في التناسخ فإن الأفعال الصالحة لا تستطيع أن توصل إلى الخلاص.

لذلك فإن الطريق الصحيح ليس إلا الامتناع عن كل فعل وعن كل رغبة.

إلا أن ذلك يظل دون نتيجة ما لم يقترن بالعلم. إن أعلى درجات الإدراك الحدسي، هي إدارك ماهية برهمان وإدراك أن ذلك قوة حلاصية: ذلك أن من يعرف من هو برهمان يعرف أنه هو نفسه برهمان.

"برهمان هو أنا: من يعرف ذلك سيحرر من كل رباط'

كما يختفي النهر في البحر دون اسم ودون شكل، هكذا يذوب الوجود الفردي في برهمان اللامتناهي,

تعترف النظم الصراتية الستة في العصر الكلاسيكي بسلطة الفيدا. وفي عصر لاحق اندمجت نيايا وفايشيشكا في نظام فلسفي واحد.

اشتغلت نيايا في حقل المنطق واستخلاص النتائج بشكل خاص. أما فايشيشكا فقد تمثلت بفلسفة طبيعية ذرية.

يتميز النظام الموحد المشار إليه بتقديمه لنظرية في المقولات والمقولات السبع هي: الجوهر، الكمية، الفاعلية، العلاقات المشاركة، الخصوصية، التداخل(العلاقة بين أجزاء مترابطة بالضرورة)، واللاوجود.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أطلس الفلسفة، بيتر كونزمان و بيتر بوركارد، ترجمة جورج كتورة، المكتبة الشرقية، ط3، 2012، ص17



شاركه على جوجل بلس

عن منتصر بوعجيلة

باحث في الدراسات الدينية المقارنة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire